الصفحة الرئيسية |  من نحن | الباحثون | الأنشطة | الإصدارات | نشرة الإصلاح العربي

الإصدارات

وجهة نظر "حزب الله" في النزاع الحالي

الجزء الأوّل: الدوافع والاستراتيجيا والأهداف
الجزء الثاني: تكييف الدبلوماسية والإعداد لمرحلة ما بعد الحرب

بقلم أمل سعد غريّب
يصدرعن مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي
دليل السياسات رقم 27، أغسطس 2006

أمل سعد غريّب أستاذة معاونة في الجامعة الأميركية في بيروت. تكتب باستمرار عن الشؤون السياسية اللبنانية. مؤلّفة "حزب الله: السياسة والدين" (2002).
 

الجزء الأوّل: الدوافع والاستراتيجيا والأهداف
 

بلغ القتال بين إسرائيل و"حزب الله" مرحلة حسّاسة نظراً إلى الهجوم البرّي الموسَّع الذي تشنّه إسرائيل والمفاوضات المحمومة حول قرار يُرتقَب صدوره عن مجلس الأمن الدولي لوضع حدّ للنزاع. دفعت الحرب الإسرائيلية على "حزب الله" بالمنظّمة إلى الساحة العالمية وأكسبتها احتراماً على نطاق واسع في العالم العربي والإسلامي وعزّزت الدعم لها في لبنان. إنّ فهم وجهة نظر "حزب الله" في ما يتعلّق بانطلاقة النزاع الحالي وأهدافه الاستراتيجية على السواء، أساسيّ لتقويم المجرى الذي يُحتمَل أن تتّخذه الأحداث في الأسابيع الحاسمة المقبلة.

كمين "حزب الله" في 12 تموز/يوليو: الدوافع والتوقّعات بشأن الردّ الإسرائيلي

بعد الردّ الإسرائيلي المكثَّف على الكمين الذي نصبه "حزب الله" لدبّابة إسرائيلية في 12 تموز/يوليو، استنتج عدد كبير من المعلّقين واللبنانيين العاديين أنّ قرار "حزب الله" بتنفيذ الهجوم كان إمّا بناءً على تعليمات إيرانية بتشجيع من سوريا بهدف إشعال حرب مع إسرائيل وجرّ لبنان إلى نزاع إقليمي أوسع نطاقاً، وإمّا حسابات خاطئة متهوّرة أدّت عن غير قصد إلى تدمير البلاد.

العيب الأساسي في التفسير الأوّل هو أنّه لا يأخذ في الاعتبار عمليّات الخطف المماثلة التي نفّذها "حزب الله" في السابق والتي مهّدت الطريق لتبادل الأسرى مع إسرائيل ومن بينهم مئات الأسرى اللبنانيين والعرب. علاوةً على ذلك، كان الحزب قد أطلق على سنة 2006 اسم "سنة الأسرى" (في إشارة إلى الأسرى اللبنانيين الثلاثة الذين رفضت إسرائيل الإفراج عنهم في عمليّة تبادل الأسرى الواسعة النطاق عام 2004) وحاول في الواقع قبل تموز/يوليو أسر جنود إسرائيليين للغاية نفسها. إذاً في نظر "حزب الله"، لم تشكّل عمليّة الخطف تحوّلاً جذرياً في استراتيجيّته العسكرية يتطلّب موافقة إيرانية أو يستدعي ردّاً إسرائيلياً مكثّفاً. فمن وجهة نظر الحزب، لا يُحدث اختطاف جنديَّين إسرائيليين من داخل إسرائيل في 12 تموز/يوليو تغييراً مهمّاً في قواعد اللعبة نظراً إلى انتهاكات إسرائيل المستمرّة للخطّ الأزرق الذي يفصل بينها وبين ولبنان. على ضوء هذه الاعتبارات، يقول "حزب الله" إنّه توقّع ردّاً إسرائيلياً أكثر تقليدية على عمليّة الخطف: عدوان محدود يتبعه تبادل للأسرى. فكما يقرّ نائب رئيس المكتب السياسي ل"حزب الله"، محمود قوماتي، "لم يتوقّع "حزب الله" أن يكون الردّ بهذا الحجم".

قد يبدو هذا الاعتراف وكأنّه يؤكّد التفسير الثاني. لكنّنا نبالغ في تبسيط الأمور إذا اعتبرنا أنّ إقرار "حزب الله" بأنّه لم يتوقّع تصعيداً عسكرياً بهذا الحجم هو دليل على حسابات خاطئة وحسب. فانطلاقاً من قدرة الحزب على استيعاب صدمة القوّة الجوّية الهائلة لإسرائيل وأدائه المدهش في المعارك البرّية وقدرته المستدامة على إطلاق صواريخ على مدن وبلدات إسرائيلية، لا يبدو أنّه فوجئ كلياً بالهجوم الإسرائيلي. على الأرجح أنّ الحزب توقّع ردّاً إسرائيلياً واسع النطاق كواحد من سيناريوات عدّة محتملة – على الرغم من أنّه لم يعطه ربّما ثقلاً كبيراً كالسيناريوات الأخرى – وأعدّ تالياً خطط الطوارئ الضرورية. فبحسب وزير الطاقة المنتمي إلى "حزب الله"، محمد فنيش "عندما نتّخذ قراراً، نضع خططاً حول الردّ الإسرائيلي المحتمل، حتّى إنّنا نضع أسوأ الاحتمالات ونستعدّ لها. نتّخذ قراراتنا بالاستناد إلى أسوأ النتائج الممكنة".
في الواقع، هناك أدلّة تشير إلى أنّ "حزب الله" توقّع حكماً حصول مواجهة وجوديّة مع إسرائيل في مرحلة ما في المدى القصير إلى المتوسّط. قبل اندلاع النزاع، شارك الحزب في "الحوار الوطني اللبناني" الذي تطرّق من بين مسائل أخرى إلى مصير سلاح "حزب الله" في إطار اقتراحات لوضع "استراتيجيا دفاع وطني". وقد استخدمت بعض قوى "14 آذار" السياسية المنتمية إلى الأكثرية البرلمانية اللبنانية التي تتمتّع بروابط وثيقة مع الولايات المتّحدة وفرنسا، هذه المحادثات في إطار الجهود الآيلة إلى تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 1559 الذي وُضِع بمبادرة أميركية وفرنسية وينصّ على نزع سلاح "حزب الله". بحسب قوماتي، كان الحزب يعي تماماً أنّ المحادثات تتّجه نحو حائط مسدود، ويعتبر أنّ النتيجة ستكون محاولة الولايات المتّحدة تطبيق القرار 1559 من خلال هجوم عسكري إسرائيلي على "حزب الله". في الواقع، كان "حزب الله مستعدّاً إنّما ليس لتوقيت العمليّة".

أعلن أمين عام "حزب الله"، السيّد حسن نصرالله، في تموز/يوليو، أنّ الحزب علِم حديثاً أنّه كان من المقرّر شنّ الهجوم في أيلول/سبتمبر أو تشرين الأوّل/أكتوبر، وأنّه من حسن حظّ "حزب الله" أنّه خطف الجنديَّين الإسرائيليين في هذا التوقيت بالذات لأنّه بذلك سرّع الحرب وحرم إسرائيل تالياً "عنصر المفاجأة". ويذكر قوماتي رفض إدارة بوش المستمرّ لوقف إطلاق النار الفوري معتبراً أنّه إثبات على أنّ الولايات المتّحدة تدير الحرب وأنّ هذه الحرب كانت ستُشَنّ سواء تمّت عمليّة الخطف أم لم تتمّ.

بناءً عليه، تجاوز "حزب الله" نظرته التقليدية إلى دور الولايات المتّحدة الذي يرى فيه تبريراً وشرعنةً للأعمال الإسرائيلية بعد وقوعها، ويعتبر الآن واشنطن المهندسة الأولى للهجوم الضاري الذي تشنّه إسرائيل حالياً. يفسّر "حزب الله" كلام المسؤولين الأميركيين عن تحويل أزمة لبنان "فرصة" لبناء "شرق أوسط جديد" بالإضافة إلى رفض إدارة بوش القويّ قبول كلّ ما هو دون "الشروط التي تسمح بالتوصّل إلى وقف إطلاق نار دائم"، بأنّه إملاءات أميركية لإذكاء النزاع الحالي وإطالته. فقد قال نصرالله في خطاب له الشهر الفائت "الإسرائيليون مستعدّون لوقف العدوان... لكنّ الولايات المتّحدة هي التي تصرّ على مواصلة العدوان على لبنان". في هذا السياق، تُعتبَر إسرائيل الآن "أداة مطيعة" لسياسة أميركية تسعى إلى إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة بدءاً بلبنان وصولاً إلى إيران وسوريا.

نظراً إلى هذه العوامل، يعتبر "حزب الله" أنّ النزاع الحالي هو نزاع تشنّه الولايات المتّحدة وإسرائيل عليه، وهذا، في رأيه، يجعل أهدافه العسكرية دفاعية مئة في المئة. فكما أعلن نصرالله "لم نرد هذه الحرب لكنّنا نخوضها لأنّها فُرِضت علينا". على الرغم من أنّه يبدو أنّ "حزب الله" لم يشعل عمداً نزاعاً واسع النطاق من شأنه أن يمتدّ إلى المنطقة بكاملها كما أنّه لم يخطئ في حساباته فيستبعد عن جهل احتمال حدوث هكذا سيناريو، فإنّ الحزب لم يتردّد في استخدام هذه الحرب، وقد انطلقت الآن، لخدمة مصالحه الإقليمية والداخلية التي أتطرّق إليها في ما يأتي.


أهداف "حزب الله" الاستراتيجية في النزاع الحالي

الأهداف العسكرية

أحد أهداف "حزب الله" الأساسية في هذه الحرب خلق تعريفات جديدة للقّوة والنصر لا يمكن قياسها بمعايير كمّية أو مادّية. وقد سهّلت ثلاثة عوامل هذه العملية. العامل الأوّل هو الهدف العالي جداً والمستحيل في نهاية المطاف الذي وضعته إسرائيل لنفسها في بداية النزاع – إلغاء "حزب الله" – وحاجة إسرائيل تالياً إلى تغيير أهدافها في مرحلة لاحقة. ثانياً، وخلافاً لإسرائيل، لم يحدّد "حزب الله" بوضوح أيّ أهداف عسكرية في البداية ما عدا نيّته تبادل الأسرى في مرحلة ما. من المنطقي إذاً القول إنّه يكفي "حزب الله" أن يمنع إسرائيل من تحقيق أيّ إنجاز ملموس ليُسجِّل انتصاراً عسكرياً. حتّى الآن، يبدو أنّ "حزب الله" نجح في ذلك حيث إنّ إسرائيل لم تحقّق أياً من أهدافها العسكرية المعلَنة أي الإفراج غير المشروط عن الجنديَّين الإسرائيليَّين أو تجريد "حزب الله" من قدرته على الاستمرار في مقاومة القوّات الإسرائيلية أو إضعاف هذه القدرة كثيراً، أو تعطيل طاقته الصاروخية أو جعله يتراجع إلى ما وراء نهر الليطاني. أمّا العامل الثالث فهو الطبيعة غير المتكافئة للحرب – فإزاء الحجم والقوّة الكبيرَين لقوّات الدفاع الإسرائيلية مقارنةً بمقاتلي "حزب الله"، يجري تضخيم أيّ مؤشّر ضعف من جانب إسرائيل وأيّ مؤشّر قّوة من جانب الحزب. لقد سمحت معالم النزاع هذه لنصرالله أن يعلن أنّ بقاء "حزب الله" في ذاته يشكّل انتصاراً وكذلك "صموده في وجه أعتى قوّة عسكرية" و"الاستمرار في المواجهة".

يعتبر "حزب الله" أيضاً أنّه انتصر لأنّه تفوّق على كلّ الجيوش النظامية التي حاربت إسرائيل طوال تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي. ويشمل هذا قدرة الحزب على التصدّي للهجوم الإسرائيلي وإلحاق خسائر بالجيش الإسرائيلي، والأهمّ من ذلك، نقل النزاع إلى قلب إسرائيل من خلال الهجمات بالصواريخ. في حين أنّ هذه الأهداف القصيرة الأمد تتعلّق بصمود "حزب الله" ووضعه، يسعى الحزب أيضاً إلى تحقيق أهداف طويلة الأمد غايتها تبديد أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهَر. في خطاب معبِّر ألقاه حديثاً، وافق نصرالله على تأكيد شيمون بيريس بأنّ النزاع وجوديّ بالنسبة إلى إسرائيل. وإذ استبعد مفهوم "تحرير فلسطين" و"تدمير" إسرائيل، فسّر نصرالله كلام بيريس عن "الحياة والموت" بأنّه مؤشّر عن خوف إسرائيل من مضاعفات انتصار "حزب الله" على مستقبلها. فبحسب نصرالله "عندما يفقد شعب هذه الدولة الزائلة ثقته بجيشه الأسطوري، ستبدأ نهاية هذا الكيان. هذا لأنّ إسرائيل دولة تأسّست من أجل جيش، وليس هناك في إسرائيل جيش لخدمة دولة". يعتبر "حزب الله" أنّ الدولة الإسرائيلية رهن جيشها الذي يحدّد طبيعة الدولة وهويّتها وأسسها. وفقاً لهذا المنطق، ما إن يتذوّق هذا الجيش طعم الهزيمة الأوّل حتّى تهتزّ أسس الدولة وتبدأ إسرائيل بالتداعي.

الأهداف السياسية

هدف أساسيّ آخر ل"حزب الله" هو مواجهة مبادرة "الشرق الأوسط الجديد" التي أطلقتها واشنطن، وإحباط تنفيذها في لبنان والمنطقة على السواء. في نظر "حزب الله"، القوى الوحيدة القادرة على وقف المخطّط الأميركي هي الفاعلون الأساسيون في المحور الاستراتيجي الذي يشمل سوريا وإيران و"حزب الله" وحركة "حماس". لهذا السبب تسعى الولايات المتّحدة إلى إزاحتهم من طريقها بدءاً ب"حزب الله" في لبنان. وقد ترسّخت هذه النظرة أكثر فأكثر عندما وضعت الحكومة الأميركية النزاع الحالي في إطار الحرب على الإرهاب وأجندة الحرّية التي يسعى الرئيس بوش إلى تطبيقها، كما ظهر في تصريح بوش الأخير بأنّ "حزب الله مستعدّ للقتل واللجوء إلى العنف من أجل وقف انتشار السلام والديموقراطية"، ووصفه للحرب بأنّها "جزء من صراع أكبر بين قوى الحرّية وقوى الإرهاب في الشرق الأوسط". يعتبر مسؤولو "حزب الله" أنّ "قدرهم هو مواجهة هذه الخطّة اللعينة وإحباط أهداف هذه الحرب" التي تشمل تجريد لبنان من "تاريخه والتزاماته وثقافته وهويّته الحقيقية ليصبح أميركياً صهيونياً".

بناءً عليه، تصبح حرب "حزب الله" مع إسرائيل "تأكيداً لحقّ الشعب في مقاومة الاحتلال ورفض النزعة الإمبريالية الأميركية" على حدّ تعبير محمد فنيش. عبر التصدّي للأهداف الأميركية في هذه الحرب، سوف "يعطّل "حزب الله" المخطّط الأميركي" للمنطقة "ليس في أهدافه بل في نتائجه". يظهر ربط "حزب الله" لنتيجة النزاع الحالي بنجاح المخطّط الأميركي في الشرق الأوسط أو فشله، بوضوح في قول نصرالله بأنّ المعركة "ليست معركة لبنان... إنّها معركة الأمّة" وسوف تكون لها انعكاسات في المنطقة بكاملها. نظراً إلى الشعبية الكبيرة التي يتمتّع بها "حزب الله" الآن لدى الاتّجاه السائد في أوساط العرب السنّة ولدى الحركات الإسلامية، فإنّ ما ستؤول إليه هذه الحرب سيخلّف عواقب مهمّة ليس بالنسبة إلى الأهداف الأميركية والإسرائيلية في المنطقة وحسب إنّما أيضاً بالنسبة إلى ما يُعرَف بالأنظمة العربية "المعتدلة" التي ألقي الضوء أكثر فأكثر على مراعاتها الشديدة للخطّ الأميركي-الإسرائيلي.


 

الجزء الثاني: تكييف الدبلوماسية والإعداد لمرحلة ما بعد الحرب
 

يحيى اعتماد قرار الأمم المتّحدة 1701 وتطبيق وقف إطلاق نار رسميّ الآمال بحلول السلام في لبنان. لكنّ أسئلة عدّة تُطرَح حول قابليّة التسوية للاستمرار، وتعتمد الأجوبة عنها في شكل كبير على وجهة نظر "حزب الله" بشأن العمليّة الديبلوماسية التي حصلت وموقعه في لبنان بينما يخرج من النزاع الحالي. تظلّ مسألة نزع سلاح "حزب الله" مأزقاً قوياً محتملاً من شأنه أن يؤدّي إلى صراع مستمرّ إمّا بين إسرائيل ولبنان وإمّا داخل لبنان نفسه.

الانسجام الجزئي مع الموقف الديبلوماسي الأوّل للحكومة اللبنانية

دعا "حزب الله" باستمرار إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في القتال الذي بدأ بعد 12 تموز/يونيو – أو بحسب العبارة التي استخدمها الحزب "إنهاء فوري للعدوان الإسرائيلي". وقد عارض الحزب مبدأ وقف إطلاق النار المشروط كجزء من رزمة سلام أكبر. ففي هذا الإطار، شرح محمد فنيش، وزير الطاقة المنتمي إلى "حزب الله": "الحديث عن حلّ شامل هو في رأينا تغطية للعدوان ويسمح للولايات المتّحدة بأن تبدو وكأنّها تبذل جهداً في حين أنّها تشنّ حرباً علينا".

على الرغم من هذه الاعتراضات، وافقت قيادة الحزب على خطّة وقف إطلاق النار الشاملة المؤلّفة من سبع نقاط التي قدّمها رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة بعد وقت قصير من بدء النزاع. أعرب وزيرا "حزب الله" عن تحفّظات حيال عناصر الخطّة المختلفة، لكنّ الحزب شعر أنّه مُرغَم على الموافقة عليها من أجل أن تكون هناك جبهة لبنانية موحَّدة. بحسب فنيش الذي شارك في مداولات الحكومة، وافق "حزب الله" على اقتراح السنيورة "للحؤول دون تحوّل معركتنا مع إسرائيل معركة داخلية، ولئلاّ نُتّهَم بأنّنا نعرقل الجهود التي من شأنها الحدّ من الخسائر في لبنان".

في مؤشّر آخر عن الانسجام مع حكومة السنيورة، وافق وزيرا "حزب الله" على قرار اتّخذته الحكومة اللبنانية في الأسبوع الأوّل من آب/أغسطس لحشد 15 ألف جنديّ لبناني من أجل نشرهم في الجنوب عند إعلان وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل. وفي محاولة لتبرير هذه الخطوة لجمهور الحزب، أثنى أمين عام "حزب الله"، السيّد حسن نصرالله، على قرار الحكومة واصفاً إيّاه بأنّ من شأنه "أن يساعد لبنان وأصدقاءه كثيراً على ممارسة ضغوط لتعديل مشروع القرار الذي يجري الإعداد له في مجلس الأمن".


التشكيك في قرار الأمم المتّحدة 1701

على الرغم من أنّ نصرالله يؤيّد تسوية سياسية للأزمة، يظلّ "حزب الله" حذراً من المبادرات الديبلوماسية التي يطلقها المجتمع الدولي، كما أنّه لا يثق بمجلس الأمن الدولي. ويظهر عدم الثقة هذا في وصف نصرالله للقرار 1701 ب"غير العادل وغير المنصف" لأنّه يغفر لإسرائيل "جرائم الحرب والمجازر" التي ارتكبتها بينما يحمّل "حزب الله" "مسؤوليّة بدء العدوان". طوال النزاع، رفض "حزب الله" مراراً وتكراراً أيّ "شروط مذلّة" تُفرَض عليه أو على لبنان "مهما طال النزاع" أو "مهما بلغت التضحيات". من هذا المنطلق، دعا نصرالله الحكومة في مناسبات عدّة لا سيّما في خطابه في 9 آب/أغسطس، إلى "الصمود" وعدم الموافقة على المطالب الأميركية-الإسرائيلية في عمليّة التفاوض.

على الرغم من انتقادات "حزب الله"، يشكّل القرار 1701 على الأقلّ نصراً ديبلوماسياً جزئياً للحزب كونه أفضل (من وجهة نظر "حزب الله") من مشاريع القرارات السابقة التي رفضها "حزب الله" والحكومة اللبنانية على السواء. فبحسب نصرالله، كان القرار النهائي "الأقلّ سوءاً" بين كلّ مشاريع القرارات. بناءً عليه، فإنّ "حزب الله" "لن يكون عائقاً أمام أيّ قرار تتّخذه الحكومة اللبنانية" وسوف "يلتزم بدون تردّد" بأيّ اتّفاق لوقف إطلاق النار يتوصّل إليه أمين عام الأمم المتّحدة. وافقت الحكومة اللبنانية على القرار في 12 آب/أغسطس، ومن ضمنها وزيرا "حزب الله" على الرغم من أنّهما أبديا بعض التحفّظات عليه.

التوقّعات بشأن وقف الأعمال الحربية

ينصّ القرار 1701 على "وقف كامل للأعمال الحربية بالاستناد في شكل خاص إلى الوقف الفوري لكلّ الهجمات من جانب "حزب الله" والوقف الفوري لكلّ العمليّات العسكرية الهجومية من جانب إسرائيل"، على أن يتمّ بعد ذلك نشر القوّات التابعة للحكومة اللبنانية وعناصر "قوّة الأمم المتّحدة الموقّتة في لبنان" (اليونيفيل) في الجنوب بينما تنسحب القوّات الإسرائيلية "بالتزامن" مع هذا الانتشار. لا شكّ في أنّ تطبيق هذه العمليّة سيكون معقّداً جداً وهناك خطر كبير بأن يفشل.

على الرغم من أنّ الحكومتَين اللبنانية والإسرائيلية استجابتا لدعوة الأمين العام للأمم المتّحدة كوفي أنان إلى وقف الأعمال الحربية اعتباراً من 14 آب/أغسطس، من المحتمل جداً أن يستمرّ القتال بعد ذلك التاريخ لسببَين مترابطتين: أولاً ترفض إسرائيل الانسحاب من لبنان قبل انتشار القوّات الدولية والجيش اللبناني، وثانياً ينوي "حزب الله" مواصلة القتال ما دام هناك جنود إسرائيليون على أرض لبنان، وهذا ما قاله نصرالله بوضوح في 12 آب/أغسطس. هناك إذاً فترة فاصلة من المتوقّع أن تمتدّ من أسبوع إلى أسبوعَين قبل وصول قوّات اليونيفيل، وعلى الأرجح أنّ القتال سيشتعل خلالها من جديد.

أوّل صدام بين "حزب الله" والحكومة اللبنانية حول نزع السلاح

تماشياً مع خطّة النقاط السبع التي وضعتها الحكومة اللبنانية، ينصّ القرار 1701 على أن يقتصر الوجود العسكري في المنطقة الواقعة بين الخطّ الأزرق ونهر الليطاني، على 15 ألف جنديّ من الجيش اللبناني و15 ألف عنصر من اليونيفيل. على الرغم من أنّ قوّة اليونيفيل لم تُمنَح صلاحيّات لفرض السلام بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتّحدة، فسيكون لديها الحقّ في "التصدّي للمحاولات التي تهدف من خلال الوسائل العنيفة إلى منعها من الاضطلاع بمهمّاتها".

كما ذكرت آنفاً، وافق "حزب الله" على هذا التدبير عندما قبِل بخطّة النقاط السبع التي وضعتها الحكومة. قدّم الحزب هذا التنازل انطلاقاً من العلاقة الراسخة التي أقامها مع نحو ألف جنديّ لبناني متمركزين قرب منطقة الحدود الجنوبية منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، والتوافق المماثل الذي توصّل إليه مع ألفَي عنصر من قوّات اليونيفيل المتمركزة هناك منذ مطلع الثمانينات. وافترض "حزب الله" أيضاً أنّ دور الجيش اللبناني سيكون حماية حدود لبنان وليس حدود إسرائيل، كما ظهر في تأكيد نصرالله الأخير بأنّ الجيش اللبناني "ليس قوّات تتلقّى الأوامر من الأعداء" وتصريح فنيش بأن "دور الجيش لن يكون حماية إسرائيل ولن ينتشر بحسب الحاجات الأمنيّة لإسرائيل".

لم يقرن "حزب الله" بين نشر الجيش اللبناني ونزع سلاحه، ولم يتوقّع تالياً حصول صدام بين قوّاته المسلّحة والجيش. وتعزّز هذا الافتراض عندما لم تتضمّن الخطّة التي وافقت عليها الحكومة إشارة صريحة إلى أنّه يُنتظَر من الحزب أن يسلِّم سلاحه. كما أنّ حقيقة أنّ القرار 1701 لا يحلّ النزاع حول مزارع شبعا (من المرتقب أن يُقدِّم الأمين العام اقتراحاً حول هذه المسألة إلى مجلس الأمن في غضون ثلاثين يوماً من تاريخ صدور القرار) منحت "حزب الله" ما اعتبره تطميناً إضافياً بأنّ الحكومة اللبنانية ستوافق على إبقائه على سلاحه. لفت مصدر وثيق الصلة بالحزب في مقابلة أجريت معه حديثاً إلى أنّ "حزب الله" واثق نسبياً من أنّ الحكومة ستلتزم بيانها الوزاري الصادر في تموز/يوليو 2005، والذي شرّع بوضوح "حقّ" الحزب في "استكمال تحرير الأرض اللبنانية"، في إشارة إلى مزارع شبعا. من الواضح أنّ "حزب الله" يتطلّع إلى سيناريو لإدارة السلاح بدلاً من نزعه حيث تبقى أسلحته مخبّأة، وتالياً خارج نطاق التشغيل وتُحفَظ لتنفيذ هجمات من حين لآخر على منطقة مزارع شبعا المحتلّة والتي يمكن أن تُشَنّ من قواعده خلف نهر الليطاني.
لكنّ هذه الافتراضات اهتزّت في 13 آب/أغسطس مباشرةً بعد صدور القرار 1701 عندما دعا وزراء الأكثريّة في الحكومة اللبنانية إلى اجتماع استثنائي للتشاور حول نزع سلاح "حزب الله" قبل نشر الجيش اللبناني وقوّات اليونيفيل. رفض وزراء "حزب الله" مناقشة نزع السلاح في الوقت الراهن لأسباب عدّة من بينها أنّ مسألة مزارع شبعا ستبقى بدون حلّ لشهر إضافيّ. بحسب مصدر قريب من قيادة الجيش اللبناني، ترفض هذه القيادة نشر قوّات في الجنوب إذا لم يوافق "حزب الله" على التفويض الموكَل إليها. ليس هذا القرار مفاجئاً نظراً إلى أنّ نحو أربعين في المئة من عناصر الجيش هم من الشيعة، كما يُعرَف عن الجيش بأنّه يتعاطف مع "حزب الله" ويقيم علاقات جيّدة مع القيادة العسكرية للحزب. وعلى الأرجح أيضاً أنّ الجيش حريص على تفادي الانشقاق في صفوفه كما حصل في السابق. مهما كانت النتيجة التي سيتمخّض عنها هذا المأزق، من المحتّم أنّها ستعقّد الجهود التي تُبذَل لنشر قوّات دولية في المنطقة، كما أنّه من شأن الاستقطاب السياسي الذي هو في أساس المأزق أن يشتدّ في المستقبل القريب.

رفض "حزب الله" الأوسع لنزع السلاح

يعيد القرار 1701 التأكيد على الحاجة إلى تطبيق القرارَين 1559 و1680 اللذين ينصّان على نزع سلاح "حزب الله" (بدون ذكره بالاسم)، كجزء من خطّة وقف إطلاق نار شامل ودائم. من أجل فهمٍ أفضل للصعوبات الملازمة لأيّ جهد يهدف إلى نزع سلاح "حزب الله" في سيناريو لمرحلة ما بعد الحرب، يجب النظر في الأسباب التي تدفع الحزب إلى التمسّك بسلاحه ورفض دمج قوّاته العسكرية بالجيش.
تقوم معظم الحملات التي تنادي بنزع سلاح الحزب على الحجّة التي تعتبر أنّه ينبغي على الدولة السيّدة الديموقراطية أن تحتكر استعمال القوّة. على الرغم من أنّ "حزب الله" فشل في أن يقدِّم إلى العلن حجّة مضادّة متماسكة فكرياً للردّ على هذه الحملات، حاول المسؤولون في الحزب أن يبرّروا في تصريحات عدّة سلاح "حزب الله" بما في ذلك في مقابلات أجريتها معهم في حزيران/يونيو من هذا العام.
بحسب فنيش "لم تنشأ المقاومة عندما كانت الدولة قويّة وفي موقع يسمح لها بحماية حدودها، ليست هي من أضعفت الدولة. فقد نشأت المقاومة لأنّ الدولة كانت أصلاً ضعيفة، لأنّ الدولة فشلت". ويضيف أنّه لولا المقاومة المسلَّحة وتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، "لما عادت الدولة إلى الجنوب". بحسب وجهة النظر هذه، كانت الدولة بدون سيادة بسبب الاجتياحات والاحتلالات الإسرائيلية المتوالية وليس بسبب سلاح "حزب الله". لو اضطلعت الدولة بدورها كقوّة سيّدة وطردت إسرائيل من أراضيها، لما كانت هناك حاجة إلى المقاومة. يتبنّى علي فيّاض، عضو المكتب السياسي في "حزب الله" ومدير مركز أبحاث على ارتباط وثيق بالحزب، حجّة قائمة على المنطق النفعيّ نفسه "المجتمع أهمّ من الدولة لأنّه ينبغي على الدولة أن تكون في خدمة المجتمع... عندما تفشل الدولة في الاضطلاع ببعض وظائفها، ينبغي على المجتمع أن يساعدها على الاضطلاع بها، حتّى ولو لم تطلب منه ذلك". بناءً عليه، وعلى الرغم من أنّ مسؤولي "حزب الله" يوافقون "نظرياً" على أنّه ينبغي على الدولة أن تحتكر استعمال القوّة، لا يقبلون ذلك في الممارسة. فعلى حدّ تعبير فنيش "مواجهة الخطر الذي يتهدّد مصير البلاد أهمّ من التعارض النظري لهذه الوسائل مع سلطة الدولة".

لكنّ هذا التعارض هو أكثر من نظريّ بالنسبة إلى عدد كبير من منتقدي "حزب الله" الذين يعتبرون أنّ المنظّمة هي بمثابة "دولة داخل الدولة". على ضوء هذا الأمر، رُوِّجت اقتراحات عدّة تركّز على دمج القدرة العسكرية ل"حزب الله" في الجيش اللبناني على غرار الاقتراح الذي تقدّم به تيري رود لارسن، مبعوث الأمم المتّحدة الخاص لتطبيق قرار مجلس الأمن 1559 حول لبنان. لدى سؤاله في مقابلة في حزيران/يونيو عن رأيه باقتراح رود لارسن، أكّد نائب أمين عام "حزب الله"، الشيخ نعيم قاسم، أنّه "يبدو وكأنّه يقدِّم حلاً لكن في الجوهر، هدفه هو القضاء على المقاومة"، ولهذا السبب، تطبيقه "غير وارد". في أيار/مايو، رفض نصرالله علناً هذا الدمج قائلاً "ليس خياراً واقعياً لأنّه سيُضعف الموقف اللبناني في مواجهة الجيش الإسرائيلي الأكثر تفوّقاً بكثير". واعتبر أنّه حتّى لو كان الجيش يملك القوّة البشرية والموازنة الضروريّتَين لتعزيز قوّاته، لن توافق الولايات المتّحدة والقوى الغربية الأخرى على "بيعنا أسلحة نوعيّة تؤمِّن التغطية الجوّية للجيش". أمام هذه العقبات، قوّات "حزب الله" المسلَّحة هي السبيل الوحيد لخلق "توازن قوى" مع قوّات الدفاع الإسرائيلية.

ويشدّد "حزب الله" على أسباب أخرى لمعارضة دمج قوّاته المسلّحة بالجيش. إحدى هذه الحجج أنّ "الهامش بين المقاومة والجيش" هو لمصلحة الدولة حيث إنّها لا تتحمّل أيّ مسؤوليّة مباشرة عن أيّ من أنشطة المقاومة. فقد قال نصرالله في وقت سابق هذا العام "عندما تُطلِق أيّ مقاومة خاضعة للجيش رصاصة واحدة، تتعرّض عندئذٍ وزارة الدفاع... والدولة بكاملها لهجوم مباشر". لهذه الأسباب وسواها، تقتصر التنازلات التي يقدّمها "حزب الله" في موضوع سلاحه على "التنسيق بدون الدمج". أبعد ما وصل إليه مسؤولو "حزب الله" هو الاقتراح بأن تتحوّل قوّات الحزب المسلّحة "جيشاً احتياطياً" ينسّق مع الجيش اللبناني حول مسائل الاستراتيجيا وليس التكتيك. لكنّ هذا ليس أكثر من "إطلاق اسم مختلف على المقاومة"، في تعبير لقاسم نفسه، نظراً إلى أنّ أنشطة "حزب الله" العسكرية ستبقى تحت أمرته.
نستنتج إذاً أنّ "حزب الله" غير مستعدّ لتسليم سلاحه في المستقبل المنظور. فكما أعلن نصرالله في مناسبات عدّة، سيبقى الحزب مسلّحاً "ما دامت إسرائيل تهدّد البلاد". في خطاب في وقت سابق هذا العام، أشار نصرالله إلى أنّ "التسوية الشاملة التي من شأنها وضع حدّ للحرب" هي السبيل الوحيد للقضاء على هذا التهديد. من وجهة نظر "حزب الله"، يظلّ أمن لبنان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالصراع العربي-الإسرائيلي بغضّ النظر عن تلبية إسرائيل لمطالب لبنانية محدَّدة. يعبّر فنيش عن وجهة النظر هذه بالقول "لن تُحَلّ المشكلة إذا اكتفت إسرائيل بالانسحاب من لبنان" بل ستستمرّ حتّى تلوح في الأفق تسوية إقليمية شاملة. ويقول قاسم "عندما يُقتَل الفلسطينيون يومياً على عتبة بابنا ولا يزال ثلاثمئة أو أربعمئة ألف فلسطيني في لبنان ولا يمكنهم العودة إلى ديارهم... هذا عدوان". ولدى سؤاله ما هي الشروط التي تجعل "حزب الله" يتوقّف عن اعتبار إسرائيل تهديداً ويدرس إمكان تسليم سلاحه، يجيب قاسم "دعونا لا نتكلّم عن ردّ الفعل بل عن الفعل... إذا اختفى الخطر الإسرائيلي ذات يوم وليس لديّ أدنى فكرة كيف سيختفي، فالمقاومة التي كانت ردّ فعل على الخطر الإسرائيلي لن تبقى موجودة. الصراع مفتوح إذاً ما دامت إسرائيل عدوانيّة في وجودها وكيانها".

لمّح مسؤولو "حزب الله" في مناسبات عدّة إلى أن الحزب قد يحتفظ بسلاحه إلى ما لا نهاية بسبب ما يعتبره تهديداً دائماً من جانب إسرائيل. على سبيل المثال، وصف نصرالله إسرائيل ب"تهديد دائم من شأنه أن يتحوّل عدواناً في أيّ وقت" في اللحظة نفسها التي تكلّم فيها عن تسوية شاملة. في واحدة من أوضح الإشارات ربّما عن نظرة "حزب الله" إلى طبيعة التهديد الإسرائيلي وتالياً تصميم الحزب على الإبقاء على سلاحه، أكّد قاسم قبل شهرين فقط "في رأينا، وجود إسرائيل في ذاته خطر، لأنّ إسرائيل قامت على احتلال الأراضي وانتهاك حقوق الآخرين. هذا عدوان. كلّ تجربة خضناها منذ 1948 حتّى الآن هي تجربة عدوان وتوسّع وحروب وتهجير وسجن وقتل. احتُلَّت أجزاء من بلادنا تحت راية وجود إسرائيل".

خطط "حزب الله" لمرحلة ما بعد الحرب

في نظر عدد كبير من المراقبين داخل المنطقة وخارجها، بما في ذلك مراقبون في إسرائيل، "حزب الله" هو المنتصر العسكري الفعلي في هذه الحرب لأنّه تمكّن من الصمود وألحق خسائر بإسرائيل طوال فترة النزاع. وقد عبّر بعض السياسيين اللبنانيين الذين يمثّلون فريق "14 آذار" السياسي والعديد من اللبنانيين غير الشيعة، عن مخاوفهم حيال المضاعفات السياسية لانتصار "حزب الله". في محاولة لتهدئة هذه المخاوف الشهر الفائت، قال نصرالله "أجيب بشكل قاطع، أولاً للبنان وشعبه تجربة مع هذه المقاومة في انتصار عام 2000 وكيف تصرّفت. وثانياً من الآن أنا أؤكّد أنّ الانتصار سيكون لكلّ لبنان". كان قائد "حزب الله" يشير إلى مخاوف مماثلة جرى التعبير عنها عقب قيام الحزب بتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000. فبحسب تعبير عضو المكتب السياسي في "حزب الله"، غالب أبو زينب "يخافون أن يغيّر "حزب الله" المعادلة السياسية بكاملها إذا انتصر، وأن يلغي الباقين. ستكون هناك تغييرات سياسية لكن لا نيّة لدينا بزعزعة الاستقرار".

هذه "التغييرات السياسية" التي يسعى "حزب الله" إليها ثنائيّة البعد. يتعلّق البعد الأوّل بهويّة لبنان السياسية وولاءاته الخارجية. لمّح نصرالله إلى التغيير المرغوب فيه عندما دعا الحكومة في الآونة الأخيرة إلى "عدم نسيان" أنّ الولايات المتّحدة خذلتها عندما كانت بحاجة إليها، ونبّه أولئك الذين لا يزالون يعتمدون على الدعم الأميركي. وفي توسيع لهذا الموقف، قال أبو زينب إنّ من "اعتمدوا في السابق على الخارج في سياساتهم أو على الدعم الأميركي لتحقيق تغيير، عليهم الآن أن يعيدوا النظر في موقفهم على ضوء الواقع الجديد". يريد "حزب الله" أن يفرض نفسه على هويّة لبنان السياسية، كما يظهر جلياً في قول أبو زينب "سيُنتزَع لبنان من المحور الأميركي-الفرنسي". ومن المنطلق نفسه، تعهّد نصرالله بأنّ "لبنان لن يكون أيّ موقع من مواقع "الشرق الأوسط الجديد"".

أمّا التغيير الثاني فيتعلّق بتصلّب جديد في الموقف بشأن نزع السلاح. الآن وقد أظهر "حزب الله" أنّ الجيش الإسرائيلي القويّ المدعوم من الولايات المتّحدة لم يتمكّن من نزع سلاحه، يعتبر أنّ لا أحد يستطيع فعل ذلك، خصوصاً الحكومة اللبنانية المستضعَفة. لقد أعلن [محمد] قوماتي [عضو المكتب السياسي ل"حزب الله"] بوضوح "المقاومة خطّ أحمر بالنسبة إلينا، تسليم أسلحتنا غير وارد حتّى لو حُرِّرت شبعا". على الأرجح أنّه يتقاسم هذا الرأي مع نحو 96 في المئة (بحسب استطلاع آراء أجري في لبنان الشهر المنصرم) من شيعة لبنان الذين يدعمون "حزب الله". وعلى الأرجح أنّ مئات آلاف الشيعة الذين هُجِّروا من مناطقهم ذات الغالبيّة الشيعيّة سيتوحّدون أكثر داخل طائفتهم، وسيزدادون غضباً وراديكاليّة حيال إسرائيل، وتالياً سيؤيّدون الآن أكثر من أيّ وقت آخر إبقاء "حزب الله" على سلاحه.

على ضوء هذه الوقائع، قد تكون العواقب وخيمة إذا أصرّت الحكومة اللبنانية على نزع سلاح "حزب الله". وفي أسوأ السيناريوات، ينسحب كلّ الوزراء الشيعة من الحكومة ما يؤدّي إلى انهيارها. على الأرجح أنّ الأكثريّة الحاكمة ستواجه في نهاية المطاف معضلة مقلقة: إمّا دولة داخل دولة وإمّا دولة داخل دولة فاشلة.

© 2007 Carnegie Endowment for International Peace. All Rights Reserved.
1779 Massachusetts Ave. NW - Washington D.C. 20036-2103
Phone: 202.483.7600 | Fax: 202.483.1840 | Contact: info@CarnegieEndowment.org
Home   Site Map   Contact Us
Created by Matrix Group International, Inc. ®