طباعة الصفحة
يونيو/حزيران 2007، المجلد 5، العدد5
ميشيل دَن، رئيسة التحرير
خوليا شقير، نائبة التحرير
دينا بشارة، مساعدة
التحرير
الاشتراكات
لكي تتلقى نشرة
الإصلاح العربي بالبريد الإليكتروني كل شهرإضغط
هنا
لتلغي اشتراكك، إضغط
هنا
نرحب بتعليقاتك ومقترحاتك، لمكاتبة المحرراضغط
هنا
jk
نظرات و تحليلات
العربية السعودية: الشيعة متشائمون بشأن الإصلاح لكنّهم يسعون إلى المصالحة
فريد وهري
دبي: تنمية وحاكمية ولا ديمقراطية
جيريمي تمانيني
العراق: النموذج الكردستاني المتزعزع
بلال وهاب
الجزائر: بوتفليقة والعلاقات المدنية-العسكرية
رشيد تلمساني
العالم العربي: هل تحسنت حرية التعبير
أم تدهورت؟
كمال العبيدي
تعليقات القراء
اطلع على تعليقات القراء على مقالات "نشرة الإصلاح العربي". شارك في المناقشة بإرسال
آرائك
أخبار و آراء
•
مصر: انتخابات مجلس الشورى وتطوّرات سياسية أخرى
•
الأردن: توقيف أعضاء في جبهة العمل الإسلامي قبل
الانتخابات البلدية
•
الجزائر: نتائج الانتخابات
•
المغرب: اعتقال ناشطين
•
الكويت: استجواب وزيرَين في موضوع الفساد
•
العربية السعودية: هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
تتعرّض للضغوط
•
قطر: ملتقى الدوحة الثاني للديمقراطية والإصلاح
السياسي
•
البحرين: توقيف ناشطين
•
اليمن: الرقابة على الصحافة
•
حرية الصحافة: صحافيون ينتقدون الولوج المحدود
أحداث سياسية مقبلة
آراء من الإعلام الأمريكي
اقرأ
إصدارات جديدة عن
العراق،
وسوريا، والسودان، ولبنان، وحقوق المرأة ، وحقوق الإنسان،
وإصلاح قطاع الأمن،
والأحزاب السياسية، والمزيد.
***
نظرات
و تحليلات
العربية السعودية: الشيعة متشائمون بشأن الإصلاح لكنّهم يسعون
إلى المصالحة
فريد وهري
أصدرت شبكة راصد الإخبارية الشيعية السعودية تقريرها السنوي الثاني عن
حقوق الإنسان في أبريل/نيسان الماضي، وقد تضمّن مسحاً عن الممارسات
التمييزية بحقّ الأقلية الشيعية في المملكة. وإذا لاحظ التقرير توقّفاً
ملموساً في الجهود الإصلاحية الحكومية، جاء على ذكر تأثير المتشدّدين
السلفيين في البيروقراطية الدينية التي أثنت الأسرة الحاكمة عن تقديم
مزيد من التنازلات للطائفة الشيعية وقوننتها. وأشار ناشطون شيعيون
آخرون إلى التأثير الذي تمارسه الحروب في لبنان والعراق الأمر الذي
يؤدّي إلى تجميد دمج الشيعة وتجميد الإصلاح بشكل عام. اكتسبت جملة
تُردَّد غالباً وتُنسَب إلى الملك الراحل فهد صدى جديداً لا سيّما في
الإقليم الشرقي "لماذا نشعل نيراناً في الداخل في حين أنّ هناك نيراناً
في الخارج؟"
وقد سبّب هذا كلّه تراجعاً للزخم، جعل العديد من الشيعة يفقدون إيمانهم
بالقنوات الرسمية للإصلاح مثل الحوار الوطني والمجالس البلدية. نتيجةً
لذلك، يقف الناشطون ورجال الدين الشيعة عند مفترق طرق. اتّبع بعضهم مثل
رجل الدين نمر النمر خطاً جهادياً ما أثار مخاوف من استعادة "حزب الله"
السعودي نشاطه. واعتمدت شخصيات أكثر اعتدالاً مثل حسن الصفار وجعفر
الشايب ومحمد محفوظ تكتيكات جديدة تزيد من القنوات التي يجيزها النظام
وتركّزعلى بناء روابط بين المذاهب. الهدف الأسمى، بحسب أحد الناشطين،
هو خلق "مساحة للوسط" والحدّ من جاذبية التعبئة المذهبية التي ينادي
بها الراديكاليون في المعسكرين.
وسعياً للتصدّي للشكوك بأنّ الشيعة يشكّلون طابوراً خامساً إيرانياً،
دفع بعض المفكّرين الشيعة باتّجاه تدريب رجال الدين في
العربية السعودية لخلق
مرجع تقليد شيعي سعودي. وهم يعتبرون أنّ من شأن ذلك أن يسرِّع الاندماج
الوطني للشيعة ويزيل أيّ أساس لاتّهامهم بالولاء لسلطة خارجية. يشير
المدافعون عن هذه السياسة إلى سابقة سجّلتها الحكومة السعودية من خلال
إنشاء مدارس دينية محلّية للتخفيف من التأثير الخارجي مثل تأسيس جامعة
الإمام ابن سعود عام 1974 للتصدّي لتعاليم الإخوان المسلمين المصريين
والسوريين في جامعة المدينة الإسلامية. لكن تجدر الإشارة إلى أنّ هذه
المبادرة لا تتمتّع بدعم شامل في أوساط الناشطين الشيعة؛ ويعتبر
العلمانيون أنّ الحدّ من سلطة رجال الدين خطوة أولى ضرورية في إصلاح
الطائفة الشيعية قبل إنجاز أيّ اندماج وطني.
يؤدّي المفكّرون الشيعة دوراً أيضاً في الحوار مع السنّة. على سبيل
المثال، نشر الباحث محمد محفوظ في الآونة الأخيرة مجلّداً بعنوان "الحوار
المذهبي في الممكلة العربية السعودية". يشمل الكتاب المنشور عام 2007
مساهمات من باحثين معروفين من مدارس التفكير السنّية والشيعية –
المالكيين والحنبليين والشافعيين والحنفيين والزيديين والإسماعيليين
والجعفريين من مختلف أنحاء البلاد، ويشكّل مراجعة دقيقة لمحاولات سابقة
للتقريب، وداعيا للتآخي بدلا عن الوضع الحالي.
يواصل الناشطون الشيعة أيضاً مقاربة مستمرّة منذ وقت طويل قائمة على
الحوار والشراكة مع الإصلاحيين السلفيين في الغرب الذين يشكّلون كما
وصفهم أحدهم "قوّة ضاربة للإصلاح في عمق نجد" (الإقليم المركزي في
العربية السعودية الذي تتحدّر منه العائلة الحاكمة، والمكان الذي انطلقت منه
الوهّابية). وتشمل الجهود الأخرى لتعزيز الحوار بين المذاهب زيارة حسن
الصفّار الأخيرة إلى معقل السلفيين في العنيزة ودعوته رجال دين من
البريدة التي هي أيضاً معقل للسلفيين، إلى زيارة المنطقة الشرقية. لكنّ
الشيعة أنفسهم يقرّون أنّ تعاونهم مع المذاهب الأخرى في الممكلة يبقى
إلى حدّ كبير على المستوى غير الرسمي، من خلال الرسائل بالبريد
الإلكتروني والاتصالات الشخصية ونشر بيانات مشتركة من وقت لآخر.
الاختلافات في الآراء بين الشيعة والسلفيين حول أولويات الإصلاح – لا
سيّما دمج حقوق المرأة – أمر شائع.
على المستوى المحلّي، يشير الشيعة إلى العلاقات الجيّدة المستمرّة منذ
وقت طويل بين السنّة والشيعة الذين يعيشون في الإقليم الشرقي معتبرين
أنّها رادع للتزمت الديني السلفي التي يعتبر كثر أنّه مستورد من نجد.
يؤدّي التكافل الاقتصادي المحلّي والجغرافيا الاجتماعية دوراً أساسياً
في الحدّ من تأثير هذه الأيديولوجيا ومن امتداد المجزرة المذهبية في
العراق إلى
العربية السعودية. في حين أنّ هناك جيوباً معروفة للرجعية المذهبية
في البلدات الإقليمية (العوامية للشيعة والأنق للسلفيين)، تشجّع
المدارس والمحاكم والحدائق العامة وقوى الدفاع المدني المشتركة بين
المذهبين الانسجام الشيعي-السنّي.
ليس واضحاً إذا كانت الجهود المحلّية من أجل التعايش ستُترجَم، لتظهر
استعداداً من جانب آل سعود لإعادة تفعيل الإصلاحات وتوجيهها نحو الشيعة.
في مختلف الأحوال، تؤدّي المبادرات الأخيرة إلى إبقاء الشيعة منخرطين
في الحوار والنشاط السياسي والحؤول دون تحوّل الإحباط من الوتيرة
البطيئة للإصلاحات، إلى راديكالية متفشّية على نطاق واسع. المفارقة هي
أنه؛ قد لا يقرّ آل سعود بهذه المنافع إقراراً كاملاً، وقد يعرقلونها
في الواقع عبر تقديم أنفسهم بأنّهم "الباب الذي يجب أن تمرّ منه جميع
المحاولات الساعية إلى إجراء حوار مذهبي" كما يقول أحد الناشطين.
فريد وهري محلّل للسياسة الدولية في راند كوربوريشن عاد مؤخراً
من زيارة إلى المنطقة الشرقية في
العربية السعودية.
عودة إلى المحتويات
دبي: تنمية وحاكمية ولا ديمقراطية
جيريمي تمانيني
في خضمّ الأزمات السياسية والأمنية التي يشهدها الشرق الأوسط في
الأعوام الأخيرة والسياسة الأميركية المتقطّعة لدعم الديمقراطية، شهدت
الإمارات العربية المتّحدة الغنيّة بالنفط تنمية اقتصادية واجتماعية
سريعة في غياب الإصلاح الديمقراطي الفعلي. تقدّم دبي المثال لحكومة بنت
هيكلتها بعناية ونجاح خدمةً لهذه التنمية.
الشروط العامة لمسار دبي الإنمائي موثّقة جيداً. فقد قام قادة دبي التي
لا تملك احتياطياً مهماً في مجال الطاقة مقارنة بأبو ظبي، بتنويع
الاقتصاد، لتصبح دبي مركزاً إقليمياً للخدمات المالية والأعمال
التجارية. لا تزال الحكومة هي القوّة المحفِّزة وراء التنمية في دبي
على الرغم من الجهود التي تُبذَل لإنشاء قطاع خاص أكثر تقليدية غير
مموَّل من الحكومة. ولا تزال استراتيجية "المنطقة الحرّة" التي تتيح
ملكية أجنبية كاملة للمشاريع التجارية في بيئة خالية من الضرائب،
تستقطب الشركات المتعدّدة الجنسيات التي تنشئ مكاتب إقليمية هناك،
وأحدث مثال عن ذلك شركة هاليبورتون. تدير الحكومة هذه المناطق الحرّة
كمشاريع تجارية، مع فرق إدارية مسؤولة عن أهداف النمو والحصيلة المالية.
تعمل كل منطقة حرّة بحسب قوانين وتنظيمات موضوعة خصيصاً للمشاريع
التجارية الموجودة فيها. غالباً ما تتعارض هذه القوانين مع القوانين
الفيدرالية لكنّها لم تسبّب حتّى الآن الكثير من الاحتجاج العام من
جانب أبو ظبي، الإمارة الأكثر نفوذاً.
تقع المشاريع الإنمائية الأكبر في دبي، لا سيّما في قطاع العقارات، تحت
مظلّة الحكومة أيضاً. جمعت دبي معظم مشاريعها المحلّية والأجنبية في
شركتَين: دبي وورلد ودبي هولدينغ (تحتوي الأولى على نحو 105 شركات
مختلفة والثانية على 26 شركة مختلفة). ستستمرّ هاتان الشركتان في تمويل
مشاريع إنمائية واسعة النطاق وتنفيذها، مثل دبي لاند والجميرة بالم أند
وورلد قبالة الشاطئ. في مرحلة معيّنة، كانت الشركة العقارية الخاصة
إعمار التي تتولّى بناء برج دبي (المخطط له ليكون أطول برج في العالم)،
تساهم بالحصّة الأكبر في بورصة دبي المحدودة. لكنّ إعمار أعلنت مؤخراً
عن عقد اتفاق "الأرض مقابل الأسهم" مع دبي هولدينغ، وهذا يزيد من سيطرة
الحكومة باعتبارها المالكة لأغلبية الأسهم.
تُظهر آخر أرقام الإحصاءات السكّانية في دبي الصادرة في مارس/آذار 2007
أنّ عدد السكّان هو حوالى 1.4 مليون نسمة، أقلّ من عشرين في المئة منهم
هم مواطنون إماراتيون. جاء في افتتاحية نُشِرت مؤخراً في "غلف نيوز"
بقلم أستاذ في جامعة الإمارات العربية المتّحدة، أنّه بحلول سنة 2025،
سيشكّل المواطنون من أصل إماراتي أقلّ من واحد في المئة من سكّان
الإمارات العربية المتّحدة إذا استمرّت الهجرة الأجنبية على وتيرتها
الحالية. بينما تتقدّم دبي والإمارات العربية المتّحدة نحو هذا النموذج
غير المسبوق لدولة من دون مواطنين تقريباً، تتحوّل الحاكمية إلى فعل
توازن دقيقً أكثر فأكثر بين سكّان دبي الأصليين والمغتربين.
تُظهر الإجراءات المطبّقة أخيراً حساسية دبي حيال العلاقة بين سكّانها
والتنمية. بالنسبة إلى السكّان المحلّيين، تسعى الحكومة أكثر فأكثر إلى
إضفاء الطابع الإماراتي على مؤسّسات دبي (تشجيع الإماراتيين على
التعلّم والحلول مكان العمّال المغتربين الماهرين). تركّز خطة دبي
الاستراتيجية الأخيرة التي أطلقها حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل
مكتوم في فبراير/شباط 2007، على التنمية الاجتماعية من خلال إعطاء
الأولوية للتعليم والعمالة. حظي معرض الإمارات العربية المتّحدة للمهن
الذي أجري مؤخراً بتغطية إعلامية مكثّفة حيث حضر أكثر من مئة مشروع
تجاري إلى حرم الجامعات بهدف تعريف الطلاّب الإماراتيين إلى أرباب
عملهم في المستقبل.
في حين أنّ إضفاء الطابع الإماراتي على مؤسّسات دبي هو استثمار طويل
الأمد في رأس المال البشري، فلا تزال السياسة الحكومية تهتمّ بالقوّة
العاملة المغتربة التي تحفّز التنمية في الوقت الحالي. فقد أصبح بإمكان
الأجانب شراء العقارات الحرّة وقد خفّفت هذه الخطوة من الاستياء
المتنامي لدى المغتربين الذين مُنِعوا من المشاركة في سوق العقارات
الذي يشهد طفرة في دبي. في منتصف مارس/آذار، أعلنت وزارة العمل أنّه
سيتمّ تعيين حدّ أدنى للأجور في قطاع البناء، وسهّلت أيضاً المعاملات
المطلوبة للحصول على أذونات عمل، فأنشأت نظاماً عبر الإنترنت يعمل على
مدار الساعة مخصّصاً للشركات التي تتقيّد بقوانين العمل. لكنّ الوزارة
تبذل جهوداً أيضاً لفرض تطبيق نظام حصص معيّنة في توظيف الإماراتيين.
في خضمّ كل هذه التنمية في مجالَي الاقتصاد والمشاريع التجارية، أعار
الإماراتيون مسألة الإصلاح السياسي اهتماماً أقلّ بكثير من الاهتمام
الذي يعيره إياه عرب كثر في بلدان أخرى. حتّى الخطوة الحذرة الوحيدة
التي اتُّخِذت باتّجاه الإصلاح السياسي – أوّل انتخابات للمجلس الوطني
الاتّحادي في الإمارات العربية المتّحدة في ديسمبر/كانون الأول 2006،
وهو عبارة عن هيئة استشارية تفتقر إلى الصلاحيات التشريعية – كانت في
شكل أساسي تعبيراً سياسياً عن السعي إلى إضفاء الطابع الإماراتي على
المؤسّسات.
في الوضع الاقتصادي والديمغرافي الفريد للإمارات العربية المتّحدة، لا
داعي كي تضغط الولايات المتّحدة بحزم من أجل تحقيق الإصلاح السياسي.
لكن تستطيع أن تعزّز تطوّر هذا النموذج الذي فصّلته دبي على مقاسها،
وذلك من خلال الدفاع عن حقوق العمّال وحرّية الصحافة والشفافية
الحكومية. سيرسّخ التقدّم في هذه المجالات النمو الاقتصادي لدبي في
المدى القصير، وقد يؤدّي إلى بروز نظام سياسي أكثر تحفيزاً للمشاركة في
المدى الأطول. توحي الأحداث الأخيرة – لا سيّما مظاهرة نادرة للعمّال
قرب برج دبي الذي هو قيد البناء، ومنتدى حول حرّية الصحافة في الإمارات
العربية المتّحدة نظّمه طلاّب إماراتيون، والحجم والتأثير المتزايدين
للصفحات الإلكترونية المحلية الخاصة – بأنّ هناك فرصة للشروع في معالجة
هذه المسائل الحسّاسة.
جيريمي تمانيني حائز على منحة فولبرايت في الإمارات العربية
المتّحدة.
العراق:
النموذج الكردستاني المتزعزع
بلال وهاب
كردستان العراق هو الجزء الذي يعمل بالطريقة الأفضل في العراق، وهو
مثال عملي عما يمكن أن يؤمّنه الاستقرار والحكم الرشيدً لباقي البلاد
حيث تعلّم القادة الأكراد أنهم يحقّقون في السلم أكثر مما يحققون في
الحرب. مضى عام منذ أن قام الحزبان الكرديان الأساسيان، الاتحاد الوطني
الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، بتوحيد قواهما في حكومة
إقليم كردستان مع مشاركة رمزية من الأحزاب الأصغر. منذ ذلك الوقت،
تزدهر كردستان اقتصادياً وتحلم بأن تصبح مثل دبي. و لكن لتحقيق هدا
الحلم، يجب على الأكراد أن يعالجوا التحديات الرئيسية التي تواجههم بما
فيها كيفية السيطرة على كيركوك، إدارة عائدات النفط، الحفاظ على
الاستقرار، وإدارة العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد.
تملك الحكومة الكردستانية مؤسسات أساسية للحكم والأمن والتشريع تضطلع
بأعمالها ولذلك لديها خلافاً لبغداد، فرصة للتفكير استراتيجياً وأبعد
من الحالات الطارئة اليومية. تعزّز حكومة إقليم كردستان الاستثمارات
الأجنبية والحكومة الإلكترونية وتدريب الموظّفين. ويرسي البرلمان
الأساس القانوني للوزارات الكردية. يبدو أنّ القيادة السياسية أصبحت
مولعة بالنجاح وبإرضاء الناس.
يعتمد أمن الإقليم على طبقات من القوى الأمنية لا سيّما الشرطة ووحدات
الاستخبارات والبشمركة (القوات شبه العسكرية الكردية). تصبح البشمركة
التي تُقدَّر أعدادها بنحو مئة ألف عنصر، أكثر احترافاً على الرغم من
الولاءات السياسية المختلفة، لدرجة أنها تشكّل جزءاً من الخطة الجديدة
لفرض الأمن في بغداد. يفتخر المسؤولون الأكراد بأنّه لم يُقتَل أيّ
أجنبي حتى الآن في إقليمهم، لكن تفجير السيارات المفخخة في إربيل
ومخمور في مايو/أيار سلّط الضوء على أنّ كردستان لا يزال جزءاً من
العراق.
للأكراد وجود سياسي قويّ في العاصمة العراقية ويحاولون لعب أوراقهم
بحكمة. على سبيل المثال، نجحوا في حشد معارضة في بغداد للتهديدات
العسكرية التركية للإقليم الكردي. ويحاولون أيضاً التأثير في سياسة
بغداد لإضعاف سيطرة الحكومة المركزية عندما يتعلّق الأمر بالسيطرة على
كركوك والنفط. وفي هذا الإطار كان إدراج المادّة 140 في الدستور
العراقي إنجازاً بالنسبة للأكراد، فهي تنصّ على نزع الطابع العربي عن
المدينة وإجراء استفتاء حول انضمامها إلى كردستان. وحتى الآن رفض
الأكراد بعناد الدعوات (بما في ذلك في تقرير بيكر-هاملتون) لإرجاء
الاستفتاء المقرّر حول كركوك، ولكن أصبح خطابهم أكثر مرونة مما يشير
إلى احتمال التوصّل إلى اتفاق لتأجيل الاستفتاء.
حكومة إقليم كردستان ليست راضية باعتمادها على بغداد للحصول على
المداخيل وغالباً ما تلوم العاصمة على عدم الوفاء بالتزاماتها ولذلك
تضغط للسيطرة على عقود النفط في الإقليم. ينصّ مشروع قانون النفط الذي
قدّمته الحكومة العراقية على توزيع المداخيل على الأقاليم العراقية
بحسب عدد السكان عبر خزينة وطنية. على هذا الأساس، يحصل الأكراد على
نحو 17 إلى 20 في المئة من عائدات النفط الوطنية. ويسمح هذا أيضاً
للأقاليم والأفراد على السواء، بالاستثمار في قطاع النفط شرط أن
يتقيّدوا بالتنظيمات التي تضعها لجنة يعيّنها رئيس الوزراء. انتقدت
وسائل الإعلام العربية والكردية القانون معتبرين أنّه يضرّ بالمصالح
الوطنية إذ يسمح للشركات الأجنبية بأن تحصد 75 في المئة من الأرباح
النفطية. كما يفتقر القانون إلى آلية محدّدة لتسوية الخلافات بين
العاصمة والأقاليم. وحاليا تناقش حكومة إقليم كردستان مع بغداد اتفاقات
بترولية عدّة وقّعتها مع شركات تركية ونرويجية وسويسرية؛ فقد تعلّم
الأكراد كيف يخلقون وقائع ملموسة.
وعلى الرغم من أنّ زيادة الصادرات النفطية تشكّل آفاقاً جذّابة بالنسبة
إلى الأكراد إلاّ أنّها تطرح تحدّيات إدارية أيضاً. فحتى الآن لم يدمج
الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وزارتَي
المالية والداخلية في حكومة الوحدة. في الواقع، يوزع الحزبان موازنة
الإقليم التي تصل من بغداد من دون استشارة البرلمان الكردي أو الأحزاب
الأصغر حجماً في حكومة الوحدة. علاوةً على ذلك، لا يزال عدد كبير من
الأكراد يتذكّرون القتال الكردي الداخلي حول العائدات الجمركية قبل
الاجتياح الأميركي. وتعبّر أصوات عدّة في الإعلام الكردي أيضاً عن
قلقها من الفساد. يخشى كثر، عندما يرون كيف أدّت الخصخصة وفورة إعادة
الإعمار إلى إثراء النخبة الحاكمة أكثر فأكثر، أن تجلب العقود النفطية
مزيداً من العملة نفسها.
خلافاً لما هو شائع، قد يتبيّن أن السيطرة على نفط الإقليم هي محفّز
للأكراد للبقاء داخل العراق أكثر منه للانفصال عنه. مع الإمكانيات التي
يؤمّنها لهم النفط، سوف يحتاج القادة الأكراد إلى التحلّي بالبراغماتية
وبناء الجسور مع جيرانهم الذين تعتمد كردستان عليهم أكثر فأكثر للحصول
على الطعام والطاقة الكهربائية والغاز. وستضطر حكومة إقليم كردستان إلى
التوصّل إلى حل قانوني لوجود مقاتلين مسلّحين من حزب العمّال
الكردستاني على أراضيها لتفادي القتال مع تركيا. ويجب أن تكون حكومة
إقليم كردستان متيقّظة أيضاً للتهديدات الأمنية وتتعاون مع الأقاليم
والدول المجاورة. في هذا الصدد، شكل قرار القادة الأكراد بطلب المساعدة
من السكّان بعد تفجيرات مايو/ أيار بدل من عادة الاعتقالات الجماعية
خطوة حكيمة . يجب أن ينظر الأكراد إلى قضية الأمن من منظار أوسع،
ليدركوا أنّه لا يمكن لكردستان أن تعيش بسلام وبغداد تحترق.
بلال وهّاب حائز على منحة فولبرايت ويعمل حالياً على مسائل
الحاكمية في كردستان العراق.



