طباعة الصفحة
ديسمبر/كانون الأول 2007، المجلد 5، العدد10
ميشيل دَن، رئيسة التحرير
سلمى وحيدي، مساعدة التحرير
الاشتراكات
لكي تتلقى نشرة
الإصلاح العربي بالبريد الإليكتروني كل شهر إضغط
هنا
لتلغي اشتراكك، إضغط
هنا
نرحب بتعليقاتك ومقترحاتك، لمكاتبة
رئيسة التحريراضغط
هنا
نظرات و تحليلات
الولايات المتحدة: الطامحون للرئاسة وديمقراطية الشرق
الأوسط
ستيفن أ. كوك
لبنان: المجتمع المدني يقول "كفى صمتاً"ً
أميمة عبد اللطيف
موريتانيا: تحديات الديمقراطية الناشئة
سلمى وحيدي
ليبيا: قراءة في حرية الفكر والتعبير في ضوء أحكام
القانون الليبي
فائزة الباشا
السعودية: تساؤلات حول إصلاح التعليم العالي
زفيكا كريغر
تعليقات القراء
اطلع على تعليقات القراء على مقالات "نشرة الإصلاح العربي". شارك في المناقشة بإرسال
آرائك
أخبار و آراء
لبنان: تأجيل انتخاب الرئيس
فلسطين: متابعة مؤتمر أنابوليس؛ خطط استيطانية؛ اعتداءات على صحافيين
الأردن: نتائج الانتخابات النيابية؛ حكومة جديدة
سوريا: اعتقال ناشطين؛ تشديد الرقابة على المواقع الالكترونية
العراق: قانون المساءلة والعدالة؛ عودة النواب السنة للبرلمان؛ حريات
الصحافة
مصر: اعتقالات في صفوف الإخوان المسلمين؛ سجن معذبين؛ تطورات أخرى
السودان: تغييرات وزارية؛ الإفراج عن مدرّسة بريطانية؛ تغريم صحافيين
دول الخليج: الإعلان عن إطلاق سوق مشتركة
الكويت: مقترح بقانون للأحزاب السياسية؛ استجواب وزيرة
السعودية: تبرئة هيئة الأمر بالمعروف؛ معاقبة ضحية اغتصاب ومحاميها
البحرين: محاكمة ناشط في مجال حقوق الإنسان
الإمارات العربية المتحدة: حملة لوقف الاتجار بالبشر؛ انتهاكات حرية
الصحافة
الجزائر: نتائج الانتخابات المحلية
تونس: محاكمة صحافي
المغرب: توقيف مثليين جنسيين
أحداث سياسية مقبلة
آراء من الإعلام الأمريكي
اقرأ
مطبوعات جديدة حول لبنان، فلسطين، المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية،
العراق، مصر، دول شمال إفريقيا، دول الخليج العربي، السودان، حرية
التعبير والحريات الأكاديمية، والإصلاح الاقتصادي، والمزيد..
***
نظرات
و تحليلات
الولايات المتحدة: الطامحون للرئاسة وديمقراطية الشرق
الأوسط
ستيفن أ. كوك
في حين تلاشت حدة خطاب الرئيس بوش عن "إستراتيجية مستقبلية للحرية"
ومضت أيام ما سُمّي ب"ربيع العرب الديمقراطي" عام 2005، لا يزال
التساؤل قائماً حول ما إذا كان يجدر بالولايات المتحدة ترويج
الديمقراطية في الشرق الأوسط وكيفية تحقيق ذلك الهدف. فقد اتخذ كل من
المرشحين المحتملين للانتخابات الرئاسية لسنة 2008 موقفاً من المسألة
بطريقة أو بأخرى. ويمكن منذ الآن رصد بعض الاختلافات بين مواقف
المرشحين، مع العلم بأن تطورات الأحداث غالباً ما تحدد سياسات الرئيس
الجديد الفعلية أكثر من خطاب الحملة الانتخابية.
لقد عبّر المرشحون الستة الذين يملكون الحظوظ الأكبر في الحصول على
ترشيح حزبهم (كل من السيناتور أوباما وكلينتون وإدواردز من الحزب
الديمقراطي؛ والسيناتور ماكين والعمدة السابق جولياني والحاكم رومني من
الحزب الجمهوري)، عن آراء مشتركة حول ترويج الديمقراطية في الشرق
الأوسط. فعلى سبيل المثال، يقول جميعهم (كما إدارة بوش) أن الإرهاب
سينحسر إذا ما أُعطي العرب فرصة لمعالجة مظالمهم من خلال مؤسسات
ديمقراطية. أما بالنسبة لباقي المرشحين، فوحدهما الجمهوري رون بول
والديمقراطي دنيس كوسينيش عبّرا صراحة عن رفضهما مفهوم ترويج التغيير
السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط.
من ناحية أخرى، وإقراراً منهم بالإخفاقات في العراق، يشدّد كل المرشحين
على أنه لا يمكن ولا يجب فرض الديمقراطية بالقوة. كما يتّفقون أيضاً
على أن الانتخابات الحرّة والنزيهة ليست سوى عنصر واحد من مكوّنات
المجتمع الديمقراطي، مشيرين إلى الحاجة إلى إرساء حكم القانون
والشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان، والتسامح، ومنح المرأة كافة
حقوقها، وتثقيف المواطنين، بوصفها متطلبات أساسية لقيام نظام حكم
ديمقراطي. بشكل عام، لم يكن المرشحون واضحين بشأن السبل التي تتيح
للولايات المتحدة ترويج هذه المفاهيم.
على الرغم من النقاط المشتركة الكثيرة بين خطب المرشحين، ثمة اختلافات
كافية بينهم من شأنها أن تعطي إشارات أولية حول مقدار الاهتمام الذي من
المتوقع أن يوليه كل منهم لترويج الديمقراطية في حال وصوله إلى
الرئاسة. كان السيناتور جون ماكين من رعاة "مشروع قانون ترويج
الديمقراطية" (لم يمرر القانون) الذي دعا الدبلوماسيين والمسئولين
الأميركيين إلى "استعمال كافة أدوات التأثير التي تملكها الولايات
المتحدة من أجل دعم المبادئ والممارسات والقيم الديمقراطية في البلدان
الأجنبية وترويجها وترسيخها". لكن في مقاله الأخير في مجلة "فورين
أفيرز" الذي عرض فيه أولويات سياسته الخارجية المستقبلية، اكتفى ماكين
بالقول إن الولايات المتحدة ستساعد "الدول المسلمة الصديقة في إرساء
ركائز مجتمعات منفتحة ومتسامحة".
من جهته ركّز الحاكم ميت رومني على الحاجة لتقديم المساعدة من أجل
تأمين فرص اقتصادية للعرب تمهّد الطريق لبروز أنظمة سياسية ديمقراطية.
وفي حين يدعم العمدة السابق رودولف جولياني الإصلاح السياسي في الشرق
الأوسط، فإنه يعتبر أن النظام والاستقرار شرطان مسبقان للتنمية
الديمقراطية، ويقول إنه بإمكان واشنطن المساعدة في ترويج الديمقراطية
لكن لا يجدر بها أن تعقد آمالاً عالية حول النتائج وسرعة تحقيقها.
ويشترط جولياني على الدول التي ترغب بعلاقات ثنائية جيدة مع الولايات
المتحدة أن يكون لديها سجل إيجابي في الحاكمية وحقوق الإنسان و"التنمية
الديمقراطية". من شأن هذه السياسة، إذا طبّقها بحذافيرها، أن تضع
إدارته في صراع مع بعض أقرب الحلفاء إلى واشنطن في الشرق الأوسط.
من جانب الديمقراطيين، أعلنت المرشحة هيلاري كلينتون أنه ينبغي على
الولايات المتحدة دعم العرب الذين يتبنّون المثل العليا للديمقراطية.
وهي تنتقد إدارة بوش لأنها طالما تحدثت عن الديمقراطية لكنها لم تبذل
الجهود الكافية لبناء مؤسسات ديمقراطية. كما دعت كلينتون إلى أن تكون
حقوق الإنسان "ركيزة أساسية للسياسة الخارجية وعنصراً جوهرياً في
مفهومنا [مفهوم الولايات المتحدة] للديمقراطية". ويركز السيناتور جون
إدواردز أكثر من أي مرشح آخر على مفهوم ترويج الديمقراطية في إطار
مكافحة التطرف، كما دعا إلى تخصيص ثلاثة مليارات دولار لتمويل التعليم
الأساسي للجميع وزيادة برامج التمويل للمؤسسات الصغيرة ودعم الرعاية
الصحية وتعزيز "ترويج الديمقراطية الدستورية وسيادة القانون" في الدول
النامية.
أخيراً، لفت السيناتور باراك أوباما، الذي هو من رعاة "مشروع قانون
ترويج الديمقراطية"، إلى أنه من مصلحة الولايات المتحدة "المساعدة في
تعزيز الديمقراطية من خلال الأساليب الدبلوماسية والاقتصادية"، لكنه
أضاف أنه ينبغي على واشنطن في الوقت ذاته أن تتحلى بالتواضع وروح
الشراكة في تعاملها مع العالم العربي. ويقدّم أوباما بشكل أوضح من بين
كل المرشحين ملامح برنامجه لترويج التغيير السياسي في العالم العربي،
والذي يتمحور حول ربط المساعدات الاقتصادية والعسكرية والاتفاقيات
التجارية والإعفاء من الديون ب"دعوة ملحّة للإصلاح".
ستيفن أ. كوك هو زميل كرسي دوغلاس ديلون في مجلس العلاقات الخارجية.
مؤلف "تسيطر من دون أن تحكم: التنمية العسكرية والسياسية في مصر
والجزائر وتركيا" (مطبعة جامعة جونز هوبكنز،2007).
عودة إلى المحتويات
لبنان: المجتمع المدني يقول "كفى
صمتاً"ً
أميمة عبد اللطيف
في مشهد غير مألوف، استقطب حفل موسيقي بعنوان "بيكفي صمت" في ليلة جمعة
في نوفمبر/تشرين الثاني في قلب شارع الحمرا في بيروت عدداً كبيراً من
الشبان والشابات اللبنانيين. لكنه لم يكن مجرد حفل موسيقي عادي، فقد
كان يروّج لحملة "خلص! معاً لخلاص لبنان"، والتي
تأتي في سياق سلسلة من التحركات التي تنظمها قوى المجتمع المدني من أجل
"إبعاد شبح الحرب الأهلية"، على حد تعبير أحد الناشطين. وعلى وقع
الأغاني المناهضة للحرب، كان بعض الناشطين يوزعون المنشورات مرتدين
قمصاناً طُبِعت عليها كلمة "خلص" بالعربية والإنكليزية، بينما انهمك
آخرون في شرح مبادئ وأهداف الحملة. يقول إيلي أبي لمع من الفريق
الإعلامي للحملة "سئمنا من المذهبية والحديث عن الحرب، ومن طبقة سياسية
لا تدرك خطورة الوضع".
ألقت العاصفة السياسية التي هبت على لبنان مع اغتيال رئيس الوزراء
السابق رفيق الحريري في فبراير/شباط 2005 بظلال ثقيلة على النسيج
الاجتماعي اللبناني. فقد دخلت اللغة الطائفية من جديد إلى محاور النقاش
السياسة فيما سمّاه أحد المراقبين "حرباً أهلية باردة" تخوضها القوى
السياسية. يقول زياد بارود، وهو ناشط بارز في المجتمع الأهلي "كان
علينا أن نفعل شيئاً لننتشل لبنان من حافة الانهيار"، مضيفاً أن "خلص
هي حملة طوارئ". يحدّد البيان التأسيسي لحملة "خلص" التي تجمع ثلاثين
منظمة من المجتمع المدني مقصدها وهو "الضغط على الأطراف السياسية من
أجل إنهاء الجمود السلبي الذي وصلت إليه، مصمّمين على ضرورة تخطّي هذه
المرحلة المصيرية".
إلى جانب الحفل الموسيقي، نظمت "خلص" نشاطات أخرى أبرزها اعتصام أمام
مجلس النواب اللبناني في 17 نوفمبر/تشرين الثاني وموكب جنائزي رمزي في
22 نوفمبر/تشرين الثاني احتجاجاً على الوضع القائم. من أهداف "خلص"
الأساسية التخلّص من المذهبية وتذكير اللبنانيين بأخطارها – ولا سيما
الشبان الذين لم يختبروا فظائع الحرب الأهلية. وقد استقطبت عريضة
بعنوان "معاً لخلاص لبنان" تدعو إلى الحوار ووضع حد للعنف، حوالي
ثلاثين ألف توقيع.
يعد المجتمع الأهلي في لبنان من الأكثر حيوية في العالم العربي وله سجل
موثق في مجال العمل على التصدّي للمشكلات الاجتماعية والسياسية المزمنة
في البلاد. تتذكّر الأستاذة في الجامعة اللبنانية فاديا كيوان أنه قبل
اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، كانت منظمات المجتمع المدني – ولا سيما
المنظمات الطالبية والعمالية – قد بدأت تقوض الروابط الطائفية
التقليدية. ويروي بارود أن الناشطين في المجتمع الأهلي، الذي كان لا
يزال في بداياته آنذاك، نظّموا تظاهرات ضد المذهبية، إلا أن موجة العنف
كانت أقوى من تحركاتهم. وقد كانت المحطة البارزة الأخرى في تاريخ
المجتمع المدني اللبناني تنظيم تظاهرة حاشدة في نوفمبر/تشرين الثاني
1978 شارك فيها حوالي 250 ألفاً تخطوا الحواجز المذهبية ليحتجوا على
الحرب وتقاعس الدولة. نظّم المجتمع المدني اللبناني أيضاً مجموعة واسعة
من النشاطات الأخرى خلال الحرب الأهلية، بما في ذلك إضرابات رمزية
واعتصامات احتجاجية وحملات للتبرّع بالدم ومؤتمران وطنيان أكّد
المشاركون فيهما التزام كل قوى المجتمع المدني بالوحدة الوطنية على
الرغم من كل الاختلافات. كما شنّت قوى المجتمع المدني عام 1997 حملة
ناجحة لإرغام السياسيين على إجراء انتخابات بلدية بعد ثلاثين عاماً من
التوقف.
لا يزال الوقت باكراً الآن للحكم ما إذا كانت جهود حركة "خلص" لتجاوز
الخلافات السياسية والاستقطاب الطائفي قد بدأت تعطي ثمارها. كتب غسان
سعود في صحيفة "الأخبار" مؤخراً بأن الحملة لم تولّد زخماً أو تستقطب
اهتماماً شعبياً كافياً. وعلّق مراقبون آخرون أنه من شأن لقاء بين
خصمين سياسيين مثل سعد الحريري، زعيم الأكثرية الممثّلة بفريق 14 آذار،
وميشال عون، زعيم التيار الوطني الحر وحليف حزب الله، أن يغيّر المزاج
الشعبي بسرعة تفوق بعشرة أضعاف ما تستطيع "خلص" ومنظمات أخرى في
المجتمع المدني أن تفعله في سنة.
يقرّ زياد بارود بأنّ نتائج الحملة حتى الآن، وبعد خمسة أشهر من
انطلاقها، لا تزال دون الطموح. إلا أنه لا يلوم الناشطين الشبّان في
"خلص"، بل يعتبر أنّ "المشكلة تكمن في البنية الأساسية للنظام السياسي
اللبناني، فقد أصبح الشارع والإعلام المؤسستَين الوحيدتين اللتين يجري
النقاش من خلالهما حيث أن كل مؤسسات الدولة الأخرى تعاني من شلل تام".
إلا أن حالة الاستقطاب السياسي الحاد تعيشها البلاد أفقدت نشاطات
الشارع – وهي عصب تحركات المجتمع المدني – فعاليتها. يضيف بارود "ليست
هناك أكثرية صامتة في لبنان. لقد اختارت غالبية اللبنانيين الاصطفاف
إلى جانب هذه المجموعة السياسية أو تلك، وباتت الروابط المذهبية أقوى
من السابق ومن الصعب تجاهل تأثيرها. يشكّل هذا تحدياً خطيراً للجهود
التي نبذلها".
أميمة عبد اللطيف هي منسّقة المشاريع في مركز كارنيغي للشرق الأوسط
في بيروت.
عودة إلى المحتويات
موريتانيا: تحديات
الديمقراطية الناشئة
سلمى وحيدي
فاجأت موريتانيا الواقعة في أقصى الطرف الغربي من العالم العربي العديد
من المراقبين قبل عامين باتخاذها خطوات تعد الأكثر جرأة وثباتاً نحو
الديمقراطية في المنطقة. وقد جاءت الإصلاحات السياسية في موريتانيا
نتيجة لانقلاب عسكري قاده العقيد أعل ولد محمد فال، تلاه الإعلان عن
حزمة من الإصلاحات السياسية الرامية إلى تأسيس دولة ديمقراطية تنتقل
فيها السلطة سلمياً عبر انتخابات حرة وشفافة ومن ثم وضع جدولاً زمنياً
حدد خطوات الإصلاح السياسي التي كان آخرها اجراء انتخابات تشريعية
ورئاسية. فاز سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، وهو اقتصادي موريتاني مخضرم
ووزير سابق عاش في المنفى لسنوات، بالرئاسة في مارس 2007، في انتخابات
حازت ثقة الموريتانيين ومثلت أول انتقال سلمي دستوري للسلطة منذ
استقلال موريتانيا عام 1960. وقد وعد ولد الشيخ عبدالله الموريتانيين
بالعمل على محاربة الفساد، وحماية الحريات، ومحاربة الفقر، وإنهاء
الرق، وتحقيق العدالة والوحدة الوطنية بين كافة أطياف الشعب
الموريتاني.
اتخذت الحكومة الموريتانية الجديدة عدة خطوات إيجابية نحو تعزيز
الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد، كان في مقدمتها إصدار قانون تجريم
الممارسات الاسترقاقية، وإلزام كبار موظفي الدولة بالكشف عن الذمة
المالية، وإلزام الأحزاب السياسية بتخصيص كوتا نسائية تبلغ 20 في
المائة في لوائحها الانتخابية. كما شهدت موريتانيا تقدماً كبيراً على
صعيد حرية الصحافة، فحلت في المرتبة الخمسين من أصل 169 دولة في قائمة
منظمة مراسلين بلا حدود لحرية الصحافة للعام 2007، وهي المرتبة الأولي
بين الدولة العربية.
إلا أن استقرار وتطور النظام الديمقراطي في موريتانيا يتوقفان على قدرة
الدولة على معالجة الهموم المعيشية الملحة للشعب الموريتاني، وفي
مقدمتها الفقر والبطالة. إن التقدم الذي يتم إحرازه في هذا المجال لا
يزال بطيئاً ولا يرقى إلى مستوى تطلعات الموريتانيين، وقد بدأت بوادر
التوتر والاحتقان بالظهور بالفعل. ففي الأيام الأولى من شهر نوفمبر خرج
آلاف المتظاهرين في المناطق الشرقية من البلاد فيما أسمته المعارضة
"ثورة الجياع" احتجاجاً على ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية
والكهرباء والوقود، مما أسفر عن سقوط قتيلين في مدينتي كنكوصة وجكني
بعد أن استخدمت قوات الشرطة العنف ضد المتظاهرين. كما نظم تحالفاً من
خمس أحزاب معارضة بقيادة أحمد ولد داداه، زعيم تحالف القوى
الديمقراطية، مظاهرات حاشدة في العاصمة نواكشوط يوم 28 أكتوبر احتجاجاً
على استمرار تدهور الأوضاع المعيشية وبطء الحكومة في معالجة المشاكل
الاقتصادية. إضافة إلى ذلك فإن اتخاذ الحكومة وحلفاءها لخطوات مثيرة
للجدل مثل تخصيص الشركة الوطنية للصناعة والمعادن (اسنيم) وتأسيس حزبأ
سياسياً من المقرر أن يضم المقربين من الرئيس وحلفاء السلطة قد زاد من
حالة الاحتقان السياسي في البلاد.
عى الرغم من ارتفاع النمو الاقتصادي مؤخراً بعد بدء إنتاج النفط، إلا
أن البلاد لاتزال تعاني من مشكلات متجذرة منها البطالة، وارتفاع أسعار
المواد الغذائية، ونقص الموارد المائية، وضعف البنية التحتية وخاصة
شبكات الطرق والمواصلات العامة، وتدني مستوى الخدمات الصحية والتعليمية
في العديد من المناطق. يضاف إلى ذلك أن أكثر من 46 بالمائة من
المواطنين يعيشون تحت خط الفقر. لقد بنت الحكومة، والتي ورثت عن
أسلافها مؤسسات اقتصادية متهالكة عانت طويلاً من استشراء الفساد
والمحسوبية، آمالاً كبيرة على اكتشاف النفط في البلاد. إلا أن الإنتاج
النفطي والذي بدأ في فبراير 2006 جاء أقل بكثير من التوقعات. يبلغ
انتاج حقل الشنقيطي حالياً حوالي 20 ألف برميل من النفط يومياً، بينما
التوقعات الأولية كانت تشير إلى 75 ألف برميل يومياً. إضافة لذلك فإن
الإنتاج السمكي في تناقص مستمر، بينما يعاني قطاع الزراعة من ظروف
مناخية غير مستقرة، وتعاني الصناعات الموريتانية هي الأخرى من عدم
استقرار إمدادات الطاقة الكهربائية. وبينما ارتفعت نسبة النمو
الاقتصادي إلى11.7 بالمائة عام 2006 مع إنتاج النفط، فإن نسبة النمو
غير النفطي لم تتعدى 4.1 بالمائة، مقارنة بنسبة 5.4 بالمائة في العام
2005. بحسب تقارير البنك الدولي للعام 2006، لا يتعدى دخل الفرد في
موريتانيا 740 دولاراً في العام، ما يجعلها في مصاف الدول الأقل دخلاً،
بينما تبلغ نسبة التضخم 29.8 بالمائة.
كذلك يمثل التباين الاقتصادي والطبقي الناتج عن التركيبة السكانية
المعقدة تحدياً أساسياً لجهود التنمية الشاملة في موريتانيا،
فالموريتانيين ينقسمون إلى ثلاث فئات، العرب-الأمازيغ (البيضان)
والعرب-الأمازيغ السود من الأرقاء السابقين (الحراطين) والموريتانيين
الأفارقة. وعلى الرغم من تأكيد الرئيس ولد الشيخ عبدالله على اهتمام
الدولة بالعمل على تحقيق المساواة والعدالة بين كافة أطياف الشعب
الموريتاني، إلا أن الموريتانيين الأفارقة لايزالوا يعانون من تداعيات
إرث تاريخي من التمييز الاقتصادي والاجتماعي، ويزيد من وطأة ذلك
استمرار الممارسات الاسترقاقية في بعض أنحاء البلاد، وتفشي الأمية،
وضعف المؤسسات المركزية للدولة في بعض المناطق. أيضاً مازال حوالي 25
ألف لاجئ من الموريتانيين الأفارقة الذين تم طردهم إلى السنغال ومالي
خلال أحدث العنف العرقي التي شهدتها البلاد عام 1989 بانتظار العودة
إلى البلاد، إلا أن جهود إعادتهم تعثرت خلال العالمين الماضيين لأسباب
عدة من أهمها نقص الموارد المالية اللازمة لتأمين نقلهم وإعادة تأهيلهم
وتعذر التوافق بشأن التعويضات العادلة التي يمكن تقديمها لهم. وقد أعلن
الوزير الأول الزين ولد زيدان يوم 22 نوفمبر الماضي تخصيص حوالي ثمانية
ملايين دولار لمشروع إعادة اللاجئين في خطوة من المؤمل أن تغلق هذا
الملف المؤلم.
في خضم مناخ عام يتسم بالقتامة، جاءت النجاحات الأخيرة للحكومة في حشد
المساعدات المالية الدولية لمشاريعها الإصلاحية الاقتصادية والتنموية
بمثابة بارقة أمل قد تعجل بانتشال البلاد من أزمتها الاقتصادية
والسياسية. في الفترة ما بين مارس-يوليو 2007، أعلن البنك الدولي عن
وضع إستراتيجية جديدة لأعانة موريتانيا وتخصيص مبلغ 1.14 بليون دولار
على شكل قروض وهبات لدعم مشاريع الإصلاح الاقتصادي وتطوير البنية
التحتية، كما قامت الولايات المتحدة برفع قيمة معونتها الاقتصادية إلى
5.23 مليون خلال السنة المالية 2007. أخيراً، وخلال اجتماع للمجموعة
الاستشارية حول موريتانيا في 4-6 ديسمبر في باريس، نجحت الحكومة
الموريتانية في الحصول على مزيد من الدعم التنموي، فقد خصصت السعودية
والكويت وعدة دول أوروبية ومنظمات تنموية عربية وأفريقية وعالمية نحو
2.1 بليون دولار لدعم برنامج الاستثمار الوطني الموريتاني خلال السنوات
2008 إلى 2010.
سلمى وحيدي هي مساعدة التحرير في نشرة الإصلاح العربي.
عودة إلى المحتويات
ليبيا: قراءة في حرية الفكر
والتعبير في ضوء أحكام القانون الليبي
فائزة الباشا
يتحقق دور الدولة في حماية الفكر من خلال التأكيد على عدة عناصر تبدأ
بمساهمتها بطرق مختلفة فى حماية المبدعين وأعمالهم وتخصيص ج



