الصفحة الرئيسية |  من نحن | الباحثون | الأنشطة | الإصدارات | نشرة الإصلاح العربي

 طباعة الصفحة

مارس/ آذار2008، المجلد 6، العدد2
ميشيل دَن، رئيسة التحرير
سلمى وحيدي، مساعدة التحرير
 

الاشتراكات
لكي تتلقى نشرة الإصلاح العربي بالبريد الإليكتروني كل شهر إضغط هنا
لتلغي اشتراكك، إضغط
هنا
نرحب بتعليقاتك ومقترحاتك،
شارك في المناقشة بإرسال آرائك، لمكاتبة رئيسة التحريراضغط هنا

 

 ***

نظرات و تحليلات
الدول العربية: إجماع لإسكات وسائل الإعلام
مروان كريدي
فلسطين: هل تصمد فتح؟
معين رباني
المغرب: حزب العدالة والتنمية وثنائية الاحتواء والتحجيم
مصطفى الخلفي
العراق: هل تتحقق المصالحة الوطنية؟
علي لطيف
الدول العربية: احتياطيات النفط والشفافية
جياكومو لوتشياني


 

أخبار و آراء
فلسطين: تصاعد أعمال العنف في غزة؛ النمو السكاني؛ تدمير قرى فلسطينية
الدول العربية: القمة العربية
لبنان: إرجاء جلسة انتخاب الرئيس؛ صدامات طائفية
مصر: اعتقالات في صفوف الإخوان المسلمين؛ قضايا تعذيب؛ الحكم في قضية التحول عن الإسلام
العراق: تطورات تشريعية
الكويت: تشييع مغنية؛ جدل حول الاختلاط؛ قانون الإنترنت
الإمارات العربية المتحدة: تغيير وزاري؛ المدينة الخضراء
البحرين: دعوات للإفراج عن ناشطين
ليبيا: القذافي يلغي الوزارات
تونس: سجن ممثل كوميدي
المغرب: حظر حزب إسلامي؛ سجن مغربي لانتحال شخصية أمير على الإنترنت
السودان: تعديلات وزارية


أحداث سياسية مقبلة
آراء من الإعلام الأمريكي

اقرأ
مطبوعات جديدة حول العراق وفلسطين والصراع العربي-الإسرائيلي والأردن والمغرب وليبيا و السودان و الخليج والإصلاح الاقتصادي ومكافحة الفساد وتأثير القوى الخارجية في المنطقة، والمزيد.
 

***

نظرات و تحليلات

الدول العربية: إجماع لإسكات وسائل الإعلام؟
مروان كريدي

بعد سنوات من الكلام عن الحاجة إلى تأسيس إطار تنظيمي للفضائيات العربية، اعتمد وزراء الإعلام العرب في 12 فبراير/شباط 2008 ميثاقاً يفسح المجال للحكومات العربية لفرض عقوبات على وسائل البث التي تهاجم القادة العرب أو تعرض محتويات غير مقبولة اجتماعياً. وهذا الميثاق واسع النطاق، حيث يغطي الأخبار والبرامج السياسية والترفيهية وحتى البرامج الرياضية. وكان وزيرا الإعلام السعودي والمصري قد عملا في الأسابيع التي سبقت الاجتماع الطارئ في القاهرة على إقناع نظرائهما بإقرار الوثيقة التي أعدتها لجنة من "الخبراء" في الأشهر الستة التي سبقت الاجتماع. يذكر أنه حتى سوريا التي تخوض الآن حرباً إعلامية مع السعودية في الموضوع اللبناني، وقّعت هذا الميثاق.
في حين بدا إقرار الميثاق مفاجئاً، فإن الزخم نحو التحرّك ضد وسائل الإعلام الفضائية بدأ منذ حرب لبنان في العام 2006. ففي ذلك الوقت، أدان المسئولون المصريون والسعوديون في البداية "مغامرة" حزب الله ثم تراجعوا عن موقفهم في ضوء صمود الحزب وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين الذين سقطوا على يد إسرائيل. في هذه الأثناء، تقدّمت قناة "المنار" التلفزيونية التابعة لحزب الله لتصبح ضمن المحطات العشر الأولى على صعيد العالم العربي، وكانت برامج الحوار المباشرة تجد صعوبة في منع المتصلين من إطلاق كلام مهين بحق القادة العرب من حلفاء للولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الحكومة المصرية لم تتعرض لانتقادات لاذعة على الفضائيات بقدر ما تعرضت له الحكومة السعودية، إلا أنه يظل في مأزق التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين التي تزداد براعة في التعاطي مع وسائل الإعلام وتُبَث أراؤها عبر محطة "الجزيرة" و"تلفزيون الأقصى" التابع لحركة حماس، وعبر المدونات (بلوغ) الناطقة بالعربية. وهكذا شكّل فرض ضوابط سياسية على الموجات الهوائية العربية مصلحة سعودية-مصرية مشتركة.
يحاول الميثاق أن يستميل مجموعات متنوعة من المؤيدين. فهو يسترضي الإسلاميين ومن بينهم الإخوان المسلمين في مصر عبر فرض عقوبات على المحتويات الذي يُعتبَر بأنها تروّج للحرية الجنسية واستهلاك الكحول، كما يحاول استمالة القوميين العرب عبر الادعاء بأنه يصون "الهوية العربية من التأثيرات السلبية للعولمة". أخيراً، يتضمن الميثاق بنداً شعبوياً ينص على حق المشاهدين العرب في الحصول على المعلومات، بما في ذلك الحق في مشاهدة المباريات الرياضية على قنوات حكومية مجانية حتى في ظل وجود محطات تجارية تملك اتفاقات حصرية. إلى جانب إعادة تأكيد حقوق القنوات التلفزيونية الحكومية، يمنح هذا البند الميثاق بعض الصدقية في الشارع العربي.
يحظر الميثاق بشكل أساسي المحتويات الذي من شأنها أن "تضر بالانسجام الاجتماعي أو الوحدة الوطنية أو النظام العام أو القيم التقليدية" – مماشياً قوانين الإعلام في معظم البلدان العربية، والتي كُتبت كلها تقريباً بلغة مبهمة تفرض عقوبات على انتقاد القادة، وبالتالي ترسّخ الحكم السلطوي، بينما يبرر البند المحذر من تشويه "سمعة البلاد"، مجموعة واسعة من الإجراءات القمعية. يثبّت الميثاق أيضاً الممارسات الحالية حيث منعت عدة دول عربية القنوات الفضائية العربية من بث تقارير من أراضيها.
على الرغم من أن الوثيقة تنسجم مع القوانين والممارسات الحالية، فإن تطبيق بنودها سيختلف على الأرجح من بلد عربي إلى آخر. ففي حين تملك مصر والسعودية "نيلسات" و"عربسات" مما يمكنهما نظرياً فصل القنوات غير المرغوب فيها ومنعها من البث، إلا أن تصرفاً جذرياً كهذا ينطوي على مخاطر سياسية واقتصادية. في نفس الوقت، فإن مصر أغلقت في4 2 فبراير/شباط قناة البركة الاقتصادية مبررة ذلك بنيتها القيام بتفعيل الميثاق. من ناحية أخرى رفضت قطر التوقيع على الميثاق معتبرة أن هناك تعارضاً محتملاً مع قوانينها، بينما وصفت وزارة الإعلام اللبنانية الميثاق بأنه وثيقة "موجِّهة وغير ملزمة". من جهتها تحتج نقابات الصحافيين على الميثاق بشدة ويعرب الكثير من الكتّاب عن شكوكهم بأن الميثاق يهدف إلى إسكات الانتقادات للسياسات الأميركية ودفع الدول العربية نحو الانضمام أكثر فأكثر إلي المحور الأميركي-الإسرائيلي الهادف إلى التصدي لصعود إيران كقوة إقليمية. وقد رد مدير وزارة الإعلام السعودية عبدالله الجاسر على هذه الاتهامات قائلاً إن الميثاق "يميّز بين التحريض على العنف ومقاومة الاحتلال". يتساءل الصحافيون أيضاً ما إذا كان الميثاق سيُطبَّق على الفضائيات الأجنبية الناطقة باللغة العربية مثل قناة "الحرة" الأميركية، وقناة "روسيا اليوم" التابعة للكرملين، ومحطة "العالم" الإيرانية. كذلك يرجح أن تقوم المحطات التجارية بمقاضاة الحكومات بتهمة التعدي على الاتفاقات الحصرية التي وقعتها هذه المحطات لبث الأحداث الرياضية.
لا يبدو واضحاً بعد ما إذا كان الميثاق مجرد بادرة رمزية أم أنه سوف يشكّل خطوة ملموسة نحو سياسة إعلامية عربية قمعية. وفي حين أن وجود إطار تنظيمي ليس سيئاً بحد ذاته، وخاصة في ظل وجود أكثر من أربعمائة قناة تروّج لقارئي الحظ والطب البديل والأفكار الجهادية والأجساد المثيرة للشهوات والاستثمار في الأسهم إلى جانب البرامج العادية مثل الأخبار والبرامج الترفيهية، إلا أن سجل الحكومات العربية في الموازنة بين منع ما هو مضر وحماية حرية التعبير رديء جداً.
مع تزايد التضييق على حرية التعبير واعتقال أعداد متزايدة من أصحاب المدونات "بلوغ" في مصر والسعودية وأماكن أخرى، يبرز الاحتمال المقلق بأن يجري اعتماد مواثيق شاملة مماثلة بهدف تنظيم الإنترنت والهواتف الخلوية في العالم العربي. قال الممثل الكوميدي السوري دريد لحام ساخراً ذات مرة إن "المسئولين العرب الوحيدين الذين يستطيعون التوصل إلى اتفاق هم وزراء الداخلية"، الذين يتبادلون المعلومات بهدف مضايقة وقمع المعارضين، إضافة إلى الإرهابيين، في بلدانهم. يشعر الصحافيون والمثقفون والمعارضون بقلق بالغ الآن حيث أنه على الرغم من أن الأنظمة العربية تختلف حول مسائل كثيرة، يجد وزاء الإعلام العرب أرضية مشتركة لخنق حرية التعبير.

مروان كريدي هو خبير في الإعلام العربي وأستاذ مساعد في كلية أننبرغ لوسائل الاتصال في جامعة بنسلفانيا.


عودة إلى المحتويات


فلسطين: هل تصمد فتح؟
معين رباني

مع تسارع الاستعدادات، تزداد احتمالات انعقاد المؤتمر العام السادس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) خلال السنة الجارية. لكن نظراً إلى التفكك العميق الذي تعاني منه الحركة، قد يأتي المؤتمر متأخراً جداً ودون التطلعات. ببساطة يمكن القول أن بقاء فتح هو الآن في الميزان.
تغيّر الكثير منذ عقدت فتح مؤتمرها العام الخامس عام 1989. فقد رحل زعيم الحركة، ياسر عرفات، مع ثلث أعضاء اللجنة المركزية في فتح المؤلفة من 21 عضواً، ولم يجرِ استبدال أي منهم لأن صلاحية تعيين بدائل منوطة بالمؤتمر العام. كما أن الأعضاء الذين لا يزالون على قيد الحياة – مع أنهم ينتمون إلى مجتمع يبلغ متوسط العمر فيه أقل من ثلاثين عاماً – تجاوزوا الخامسة والستين من العمر، وبعض منهم تخطى الخامسة والستين بأشواط، ومنهم من أقعده المرض.
علاوة على ذلك، انقسمت "فتح" في الأعوام الأخيرة ليس إلى معسكرين أو ثلاثة معسكرات متخاصمة بل إلى مراكز قوى متعددة ومتنافسة. تتألف مراكز القوى هذه (المرتبطة في شكل عام بقادة أفراد يقيمون تحالفات تتبدّل باستمرار) من شبكات ترتكز على المحسوبيات أو التاريخ المشترك أو الجغرافيا أو الدعم الأجنبي أو الأيديولوجيا أو السياسة أو أي من هذه الأمور معاً.
وفي الوقت نفسه، تبذل فتح جهوداً لمواجهة التحدي الأخطر الذي تتعرّض له سيطرتها داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، والمتمثل بحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ويعود هذا التحدي في الجزء الأكبر منه إلى فشل فتح الاستراتيجي في وضع حداً للاحتلال الإسرائيلي على أساس حل الدولتين من خلال التفاوض، وكذلك سجلها في الحكم منذ إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994.
تتولى الاستعدادات للمؤتمر العام "دائرة التعبئة والتنظيم" في فتح التي يرأسها حالياً عضو اللجنة المركزية في فتح أحمد قريع (أبو علاء، الذي حل مكان عضو اللجنة هاني الحسن عام 2007. وقد أنشأت الدائرة قاعدة بيانات حول المنتمين إلى فتح في الأراضي المحتلة، وأشرفت على سلسلة من الانتخابات المحلية وعلى صعيد الأقاليم في مختلف أنحاء الضفة الغربية لاختيار المندوبين الذين سيشاركون في المؤتمر. وفي حين تمت هذه العملية المعقدة بسلاسة مفاجئة، فهي ليست سوى أحد التحديات الكثيرة التي ينبغي على فتح تجاوزها في الطريق نحو المؤتمر العام.
يكمن التحدي الأول في معايير اختيار المندوبين. فالمندوبون المنتخبون الذين يختارهم أعضاء فتح في الأراضي المحتلة والجاليات المتعددة في المنفى في الانتخابات المحلية لا يشكّلون سوى جزء من المؤتمر. ويشارك عدد كبير من المندوبين الآخرين مثل أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري في حركة فتح بحكم منصبهم، كما اقترح البعض أن ينضم إليهم المسؤولون الحاليون (والسابقون) بما في ذلك أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخبون ورؤساء البلديات ووزراء السلطة الفلسطينية. وتُخصَّص حصة إضافية تتراوح بين 35 و51 في المائة من المندوبين، للكوادر العسكرية في فتح، بحسب ما ينص عليه النظام الأساسي للحركة. من دون تحديد سقف لعدد المندوبين في المؤتمر العام، يمكن أن يغص الاجتماع بسهولة بمندوبين من اختيار القيادة الحالية. والنقطة الأهم هي أن المؤتمر العام وحده مخوّل تغيير المعايير التمثيلية في حين أن هذه التغييرات أساسية لنجاح المؤتمر في ذاته.
يتعلق التحدي الثاني بشكل المؤتمر. فمن المستبعد أن يتمكن مندوبو فتح، ولا سيما أولئك القادمون من قطاع غزة ولبنان وسوريا، من الاجتماع في رام الله. ولذلك اقترح البعض تنظيم ثلاثة أحداث منفصلة – في غزة ورام الله ودولة عربية – تُربَط بواسطة الأقمار الاصطناعية، أو تنظيمها الواحد تلو الآخر، بينما رد آخرون بأن هذا الأمر محفوف بالمخاطر سياسياً، واقترحوا بدلاً من ذلك تنظيم حدث واحد في العريش في سيناء المصرية أو على الساحل الأردني للبحر الميت.
ويكمن التحدي الثالث في البرنامج السياسي للحركة. لقد توصّل عدد متزايد من قادة فتح وأعضائها، إلى الاستنتاج بأنه يتعيّن على الحركة أن تحدّد هويتها وأهدافها الاستراتيجية بوضوح، ليس فقط من أجل مواجهة التحدي الذي تشكّله حماس إنما أيضاً من أجل إرساء أسس التماسك والانضباط التنظيميَّين. غير أن القيام بذلك سيعجّل في شكل شبه مؤكد من انشقاق المستائين عن الحركة، وقد يسبب انقساماً داخل فتح.
أخيراً ثمة شعور على نطاق واسع بأنه سوف يتعذر على حركة فتح أن تعقد مؤتمراً عاماً في وضعها الحالي الضعيف. لكنها تحتاج إلى إنجاز حقيقي ما – مثل تقدّم ملموس في المفاوضات مع إسرائيل أو على الأقل إحياء الأمل بالتوصل إلى اتفاق وشيك. غير أن هذا مستبعد بشكل كبير في أفضل الأحوال. وقد أعرب عضو بارز في المجلس الثوري في حركة فتح عن قلقه من أن الرئيس محمود عباس "يدفع باتجاه إنجاز سريع كما فعل في انتخابات 2006؛ على المستوى الرسمي يبدو وكأنه نجاح لكن الأمر ينطوي على مجازفة قد تؤدي إلى عواقب سلبية جداً".
في نهاية المطاف، يكمن التحدي المطروح على المؤتمر العام السادس في التأكد من توصل القوى الأساسية مسبقاً إلى قرار وإجماع حول نتيجة ناجحة تنبثق عن الاجتماع – بما في ذلك في ما يتعلق بالهيكلية القيادية الجديدة. غير أن الصيغ المطلوبة للقيام بذلك ليست متوافرة حالياً ويجب عقد مؤتمر عام لإنشائها. ومن هذا المنطلق، يقترح بعض قادة الحركة عقد مؤتمر إنتقالي – غير دستوري باعترافهم – يسعى إلى التحايل على النظام الأساسي بما يتيح عقد اجتماع ذي مغزى.
إن الرهانات عالية جداً. إذا ما فشلت فتح في عقد المؤتمر العام سنة 2008 – وفي السياق نفسه في إجراء الإصلاحات الضرورية في القيادة ووضع برنامج وطني ذي معنى – فقد يُقضى عليها كحركة. على الرغم من صعود حماس، تبقى فتح العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، ولن يؤدي دمارها سوى إلى مزيد من الشلل الفلسطيني.

معين رباني هو محلل مستقل متخصص في شؤون الشرق الأوسط، يقطن حاليا في عمان، الأردن.

عودة إلى المحتويات


المغرب: حزب العدالة والتنمية وثنائية الاحتواء والتحجيم
مصطفى الخلفي

مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية لسبتمبر/أيلول 2007، توجس الكثيرون من رد فعل حزب العدالة والتنمية. فبعد هزيمة معنوية حالت دون تمكنه من المشاركة في الحكومة في الوقت الذي كانت التوقعات الخارجية والداخلية تؤهله لاحتلال الموقع الأول من حيث المقاعد في مجلس النواب بحيازة ما لايقل عن 70 مقعدا من أصل 325 مقعدا بالمجلس ليحصل في النهاية على 46 مقعدا، كل ذلك أدى لتنامي الشكوك حول اختيارات الحزب المستقبلية وهل سيخضع للوصفة الجاهزة في استشراف ردود فعل الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، وهي وصفة قامت على توقع الانحراف نحو خيار المقاطعة والانعزال عن العملية السياسية وفي بعض الحالات تبني اختيارات العمل السري من خارج المؤسسات السياسية الشرعية، حتى أن بعض الملاحظين الخارجيين أخد يتساءل عن حظوظ استمرار الأمين العام للحزب في موقعه ومدى وجود تهديد له من قبل ما وصفه بالجناح الراديكالي.
بعد شهور من ذلك كانت المحصلة بروز وجه جديد لخصوصية حالة حزب العدالة والتنمية، فعوضاً عن مسائلة الاختيار الديمقراطي في التغيير السياسي واعتماد خيار الانسحاب كموقف احتجاجي على هشاشة المسلسل السياسي والانتخابي، اتجه النقاش نحو إعادة الاعتبار للاختيار الديمقراطي وطرح موضوع الإصلاحات الدستورية الفعلية والشمولية كأولوية في الخطاب الحزبي، والتركيز على مساءلة القيادة على عدم حزمها في مواجهة الفساد الانتخابي الذي عرفه المغرب بأشكال جديدة في اقتراع 7 سبتمبر/أيلول، وهو توجه ساهمت فيه عدد من الحيثيات، نتجت عن المخاض الداخلي للحزب وعن تفاعله الحيوي مع محيطه الخارجي، ونذكر من هذه الحيثيات أربع:
1- تقدير دلالات المشاركة الشعبية الضعيفة والمتدنية في الانتخابات حيث لم تتعد 37% ضمنها 19% كانت أوراقا ملغاة، وانكشاف عملية تحجيم سياسي وانتخابي استهدفت الحزب وعملت على مراجعة تقسيم الدوائر الانتخابية لتقليص حظوظه في بعضها، ورفض اعتماد لوائح جديدة للناخبين والاكتفاء بمراجعة جزئية، وسوء تدبير توزيع بطاقات الناخبين، والتغاضي عن عمليات شراء الأصوات أو العنف الانتخابي في بعض الدوائر الانتخابية، وهي عوامل أدت إلى تحجيم نتائج الحزب الانتخابية إلا أنها لم تتمكن من إضعاف وزنه الشعبي حيث حصل فيه الحزب على الموقع الأول من حيث عدد الأصوات، والتي تعدت 520 ألف صوت مما شكل نوعا من التعويض المعنوي عن فقدان الموقع الأول من حيث عدد المقاعد، لاسيما وأن هذا الموقع أعفى الحزب من المشاركة في حكومة هشة تكون معها إمكاناته في تطبيق برنامجه محدودة.
2- خلاصات التقييم الذاتي لأداء الحزب في الانتخابات والتي كشفت فقدان الحزب لأزيد من عشرة مقاعد بسبب حصول تواطؤ سياسي وإداري ضده في بعض المناطق، وهو تواطؤ استغل عدم قدرة الحزب على تغطية كافة مكاتب التصويت والتي فاق عددها 38 ألف مكتب. ويضاف لذلك الارتباك الذي برز في الخطاب الانتخابي إزاء ثلاث موضوعات ذات علاقة بالمرجعية الإسلامية للحزب بسبب توجهه لتأكيد طابعه المدني، والتردد إزاء التعبير عن الاستعداد لتحمل المسؤولية أو على الأقل المشاركة في حكومة ما بعد الانتخابات، وقبل ذلك حجم النتائج المتوقعة من حيث التضارب في الأهداف الانتخابية على مستوى القيادة.
3- تقدير الحزب لأهمية المكتسبات المحققة في مجال الحريات والانفتاح السياسي العام بالبلاد، خاصة وأن نسبة المشاركة الضعيفة أدت لإطلاق نقاش سياسي وطني حول ضرورة استعادة مصداقية العمل السياسي والانتخابي، وهيأ بالتالي شروطا جديدة لإمكانية انبعاث موجة انفتاح ديمقراطي.
4- وعزز من العوامل السابقة عمق التأصيل الفكري والنظري للحزب في مجال الديمقراطية، وهو تأصيل يقوم على تقدير أهمية الخصوصية المغربية ومركزية التعددية الحزبية فيها، فضلا عن اعتماد منهج الاعتدال في العلاقة مع الفاعلين السياسيين، ولهذا نجد أن الخطاب العام للحزب عبر عن وجود حالة من القدرة على امتصاص ما سمي بالهزيمة المعنوية.
إلا أن الخروج من الأزمة الظاهرية التي نتجت عن الانتخابات لم يقدم مؤشرا عن انتهاء مخاض النقد الذاتي، حيث أقدم الحزب على طرح مبادرة للحوار الداخلي لتجديد مشروع السياسي وتطوير ديمقراطيته الداخلية وذلك في أفق المؤتمر القادم للحزب، وأفرزت أسئلة جديدة حول مستقبل المشروع السياسي للحركات الإسلامية المعتدلة.
من هذه الأسئلة ما كشفته الانتخابات الأخيرة حول العلاقة بين الأنظمة الحاكمة والحركات المعتدلة التي أصبحت بين مطرقة الاحتواء وسندان التحجيم. من جهة الاحتواء، حيث اعتمدت الأنظمة سياسة الإدماج التدريجي كجواب من على صعود التيارات الراديكالية بهدف الحد من قوتها وشعبيتها، ومن جهة أخرى اعتُمد التحجيم هو الآخر كجواب على الصعود الجماهيري في شعبية التيارات المعتدلة والخشية من تهديدها للتوازنات العامة للنظام السياسي، وهي معادلة صعبة لا يمكن للمشروع السياسي لحزب العدالة والتنمية أن يتقدم دون بلورة أجوبة جديدة عنها.
في السابق لجأ الحزب إلى جواب مزدوج على ثنائية الاحتواء والتحجيم، وذلك باختيار منهج المشاركة المحدودة بالنسبة للتحجيم وطبق ذلك في انتخابات 1997 بنزوله للانتخابات في حدود نصف الدوائر الانتخابية ومجدداً في انتخابات 2002 بمشاركته في 56 دائرة من أصل 91، بل نزل إلى ما نسبته 18 في المائة من الدوائر في الانتخابات البلدية ل2003. كما اعتمد المشاركة المتدرجة بالنسبة للاحتواء ولهذا رفض المشاركة في حكومة التناوب في مارس 1998 وكذلك في حكومة أكتوبر 2002 ولجأ إلى الحفاظ على حد أدنى وفعال من المعارضة البرلمانية. إلا أن هذا الجواب استنفذ ذاته مع الانتخابات الأخير&#