تصدر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي - ترجمة دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر

Published by Carnegie Endowment for International Peace - Translated by Dar Al-Watan for Journalism, Printing & Publishing

مايو  2004، المجلد 2، العدد 5
أيمي هاثورن، المحررة
جوليا شقير، مساعدة بحث

في هذا العدد

أضواء وتحليلات

الولايات المتحدة والإصلاح السياسي في مصر: عهد جديد  بقلم:
ميشيل دن
برلمان البحرين: البحث عن دور  بقلم:
عبد الهادي خلف
أشباح ماضي البعثيين ومأساة الثقافة المدنية في العراق  بقلم:
راي سالفاتور جينينغس
السلطة الدينية والسياسة في عراق ما بعد صدام  بقلم:
ديفيد سيدهارتا باتيل

أخبار وآراء

مسؤولون عرب يعدون إعلانا إقليميا حول الإصلاح
... والولايات المتحدة تعد خططها للإصلاح
انتخابات فلسطينية أخيرا؟
المصريون يناقشون حالة الطوارئ
القذافي وحقوق الإنسان
استراتيجية أردنية للإصلاح
آراء من الصحافة العربية

إقرأ

كتابات جديدة عن العراق بعد 30 يونيو؛ التيار الإسلامي في شمال أفريقيا؛ انتخابات جزائرية واحتجاجات مصرية؛ مبادرة الشرق الأوسط الأكبر؛ وتفاؤل وتشاؤم إزاء الديموقراطية العربية.


أضواء وتحليلات

الولايات المتحدة والإصلاح السياسي في مصر: عهد جديد

بقلم:
ميشيل دن

عند تغطية زيارة الرئيس المصري حسني مبارك إلى مزرعة جورج بوش في تكساس في 12 أبريل، ركزت الصحافة على تأييد بوش لخطة أرييل شارون بالانسحاب من قطاع غزة. وأغفل كل المعلقين تقريبا الجانب الأبرز لزيارة مبارك: ألا وهو طرح رئيس أمريكي موضوع الديموقراطية مع نظيره المصري للمرة الأولى.

وفي حين أن مبارك لم يكن راضيا بالتأكيد عن الموقف الذي اتخذه بوش فيما يتعلق بالمسائل الفلسطينية الشهر الماضي، فإن تحول مجرى الأحداث هذا صب في مصلحته أيضا من خلال صرف الانتباه عن تعليقات بوش خلال الاجتماع الثنائي والمؤتمر الصحافي الذي تلاه. وصرح بوش قائلا: "أنا والرئيس مبارك تكلمنا عن مستقبل المنطقة وعن مصر. ومثلما مهدت مصر السبيل إلى السلام في الشرق الأوسط، فإنها ستكون نموذجا ديموقراطيا يقتدى به في المنطقة من خلال دعم المؤسسات الديموقراطية وتعزيز المشاركة السياسية". غير أن هذه التصريحات لم تثر أي تعليقات إعلامية، بالرغم من أنه وقبل الزيارة حث أعضاء بارزون في الكونغرس، إضافة إلى المقالة الافتتاحية في صحيفة واشنطن بوست، بوش على طرح مسألة الديموقراطية مع مبارك. ولعل المراقبين أساؤوا تفسير معنى تصريحات بوش العلنية بسبب الطريقة الإيجابية التي صيغت بها، مع أن أي شخص مطلع على الاجتماعات الرئاسية يعرف أن أي انتقاد لقائد صديق خلال اجتماع يصاغ عادة بعبارات ملطفة.

لقد كانت الإصلاحات الاقتصادية في مصر موضوعا أساسيا على جدول الأعمال الأمريكي المصري خلال السنوات الـ 20 الماضية، كما أن حقوق الإنسان والإصلاحات السياسية انتقلت إلى مرحلة التطبيق خلال السنوات الخمس الماضية. لكن أهم الاتصالات الثنائية – بين الرئيس الأمريكي والرئيس المصري – ركزت على المسائل الإقليمية مثل إحلال السلام بين العرب وإسرائيل، ومناهضة الإرهاب، والعراق. لذلك، وحتى الآن، يعتقد المصريون أن المسائل الإقليمية هي كل ما يهم الولايات المتحدة. ولهذا السبب شكلت رسالة بوش إلى مبارك في أغسطس 2002 التي عبّر فيها عن قلقه إزاء قضية سعد الدين إبراهيم، الناشط في مجال حقوق الإنسان، صدمة للمصريين، رغم أن السفير الأمريكي في القاهرة وحتى وزير الخارجية الأمريكي، يناقشان المسألة مع الحكومة المصرية منذ اعتقال إبراهيم عام 2000. فمن الواضح أنه إذا ما أحجم الرئيس الأمريكي عن طرح مسألة ما، لن يأخذها الرئيس مبارك أو ربما أي قائد أجنبي على محمل الجد.

بيد أن الرئيس بوش خرق هذا النمط الآن. فتعليقاته والبيان المشترك الذي تمت مناقشته بدقة (والذي يشير إلى أن الجدال المستمر حول الإصلاحات في المجتمع المصري وبيان الإسكندرية حول الإصلاحات العربية في مارس 2004 يؤمن "أساسا بنّاء للمزيد من الجهود الهادفة إلى الديموقراطية والتنمية") تتضمن دعوة واضحة وتوقعات لاتخاذ خطوات هامة نحو إصلاحات سياسية. وفي حين أن دعم مبارك لإعلان الإسكندرية لا يُلزمه بتطبيق أي إجراءات محددة، فهو يقدم لإدارة بوش جدول أعمال محليا لمباشرة الإصلاحات مع مبارك. والسؤال المطروح الآن هو ماذا سيكون تأثير تصريحات بوش في مصر. كدولة فخورة بسجل من القيادات الإقليمية في التاريخ القديم والحديث، فإنه يصعب على مصر تقبل الأوامر الخارجية فيما يتعلق بسياساتها الداخلية. إلا أن النقاشات الدولية الحالية حول الديموقراطية والإصلاحات ذات تأثير كبير، ويبرهن مبارك وحزبه الوطني الديموقراطي الحاكم أنهما يشعران بالحاجة إلى التجاوب معه. وأكثر مؤشر واعد للتغيير هو الجدال العام الجاري بشأن إبطال قانون الطوارئ المعمول به منذ عام 1981. وقد أعد المجلس الوطني لحقوق الإنسان الذي عينته الحكومة تقريرا حول الموضوع لوزيري الداخلية والعدل. غير أن إبطال قانون الطوارئ لن يلغي القوانين التقليدية والبنود الدستورية التي تحرم المصريين القدرة على تغيير حكومتهم، لكنها ستكون خطوة رمزية مهمة وسيكون لها تأثير إيجابي في مجال احترام حقوق الإنسان. وسيضع إبطال ذلك القانون أيضا الحكومة المصرية أمام عدد من المشكلات العملية الصعبة، منها مثلا ما يتوجب فعله بشأن أكثر من 15000 معتقل إداري في السجون حاليا (معظمهم إسلاميون) والحاجة إلى إعادة تدريب جيل كامل من ضباط الشرطة والأمن للقيام بأعمالهم بسلطات محدودة.

أما الولايات المتحدة، فسيتوجب عليها الثبات والمضي حتى النهاية في تعزيز الإصلاحات، لأن صانعي السياسات المصريين معروفون بصمودهم أكثر من نظرائهم الأمريكيين في المسائل طويلة الأمد. ومما لا شك فيه أنه ستضر خطوات أمريكية أخرى مثل دعم مواقف شارون وإساءة معاملة المعتقلين في العراق كلاً من جهود الإدارة المتعلقة بالديموقراطية والإصلاحات. ولكن بالرغم من ذلك، فإن الولايات المتحدة فتحت صفحة جديدة في علاقتها الثنائية مع مصر في لقاء 12 أبريل – ومن الواضح أن مسألة الإصلاحات السياسية مدرجة فيها. وهذه الخطوة جديرة بالتنويه والثناء.

** ميشيل دن أستاذة لغة عربية في جامعة جورج تاون. وكانت مديرة لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي عامي 2002 و2003.

  عودة إلى المحتويات

 

برلمان البحرين: البحث عن دور

بقلم:
عبد الهادي خلف

منذ انتخابات أكتوبر 2002 التي أعادت إحياء البرلمان البحريني بعد تعليقه طيلة 27 سنة، يحاول نوابه الاضطلاع بدور مهم. وتُبرز محاولتهم الأخيرة في الإشراف على أعمال الحكومة، التي باءت بالفشل، صعوبة مهمتهم.

ويضع الدستور الذي أصدره الملك حمد بن عيسى آل خليفة في فبراير 2002 قيودا على دور البرلمان كسلطة موازية للسلطة التنفيذية. ويقسّم الدستور البرلمان إلى مجلسين متساويي السلطات: مجلس النواب المنتخب مباشرة، ومجلس الشورى الذي يقوم الملك بتعيين أعضائه. وينص الدستور على أنه يمكن للنواب إعداد اقتراحات لمشاريع قوانين، لكن الحكومة وحدها تستطيع طرح مشاريع القوانين للتصويت، وأن للملك الكلمة الفصل في أي خلاف تشريعي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن مرسوما ملكيا صدر في يوليو 2002 يحظر على البرلمان التداول بشأن أي إجراء اتخذه الحكومة قبل 14 ديسمبر 2002 – تاريخ الجلسة الافتتاحية للبرلمان. (أصدر الملك حمد 56 مرسوما من هذا النوع بين تاريخ إصدار الدستور الجديد وافتتاح البرلمان).

إن هذه القيود القانونية وقلة خبرة النواب وهشاشة قاعدة الدعم الشعبية وتهديدات الحكومة غير المباشرة من حين لآخر بـ"إنهاء التجربة الديموقراطية" جعلت النواب يترددون في أداء دور إشرافي فعال. وبدلا من ذلك، ركزوا على الضغط على الوزراء لأجل تأمين وظائف وقروض سكنية لناخبيهم.

ولكن في أبريل 2003، سنحت الفرصة أمام النواب للتصدي للحكومة دفاعا عن المصلحة العامة حينما أوشك صندوقا تقاعد تديرهما الحكومة على الانهيار. وبما أن كل الموظفين البحرينيين تقريبا في القطاعين العام والخاص استثمروا في هذين الصندوقين، فقد عمّ الاستياء في أنحاء البلاد. وبالرغم من اعتراضات الحكومة، شكل النواب لجنة مختصة للتحقيق في ادعاءات بوجود شوائب في إدارة الصناديق.

وفي 10 يناير 2004، قدمت اللجنة تقريرا مؤلفا من 1200 صفحة إلى مجلس النواب تشرح فيه بالتفصيل سوء الإدارة والفساد المتفشي بين كبار مسؤولي الصندوقين. وتضمن التقرير توصية بأن يستجوب النواب وزير المالية ووزير العمل، اللذين يشرفان على صندوقي التقاعد، وكذلك وزير الدولة الذي كان يشغل سابقا منصب وزير العمل. وستكون تلك الخطوة الأولى قبل التصويت على عدم الثقة بوزراء فرديين. لكن الحكومة سارعت إلى إحباط أي إجراءات برلمانية في هذا الصدد، خشية أن يستغل النواب الفرصة لمحاولة إخضاع رئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة لاستجواب في خطوة لا سابقة لها. وهو عم الملك، ويسيطر على كل أجهزة السلطة منذ نيل البحرين استقلالها عن بريطانيا عام 1971 كما أنه يتمتع بالحصانة السياسية.

وفي محاولة منها لإثناء النواب عن المباشرة بإجراءات الاستجواب، وعدت الحكومة بإنقاذ صندوقي التقاعد وتعويض أعضائه عن الخسائر. وتضمنت التعويضات نحو 16 مليون دينار بحريني (38 مليون دولار) نقدا، والعديد من الأراضي في منطقة غالية من العاصمة، المنامة. وقد حذر رئيس مجلس النواب، خليفة الظهراني، مدعوم من قبل رئيس الوزراء، زملاءه من مغبة "إثارة المتاعب" – في إشارة مبطنة إلى قيام الحكومة بحل أول برلمان للبحرين عام 1975 بعدما حاول النواب منع إصدار قانون أمني مثير للجدل.

بيد أن معظم النواب تشبثوا بمواقفهم. وفي 14 أبريل استدعى المجلس الوزراء الثلاثة لاستجوابهم. ومن خلال اتفاق غير رسمي مع الحكومة، حصر النواب أسئلتهم بالدور الذي لعبه كل وزير في إدارة صندوقي التقاعد. واتفق النواب أيضا على أن تقتصر الأسئلة على مسائل متعلقة مباشرة بالمحنة المالية للصندوقين. غير أن هذه العملية بحد ذاتها كانت ذات أهمية تاريخية لأنها ساعدت، على حد قول أحد النواب، على "إرساء تقاليد برلمانية" من دون "إفساد العلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية". وفي سابقة أخرى، بثت محطة التلفزة الفضائية التي تسيطر عليها الحكومة أجزاء من النقاش، رغم حذف الكثير من المشاهد منها.

وتمكن الوزراء الثلاثة من الحفاظ على مناصبهم بعد ثلاثة أسابيع من النقاشات والاستجوابات الجدية والحامية. فقد اعتمدت الحكومة على نقاط قانونية عدة للتغلب على النواب. ومن خلال الاستعانة بالمادة 145 من النظام الداخلي للمجلس، التي تنص على أنه لا يمكن محاسبة الوزراء على أعمال تمت حينما كانوا يشغلون مناصب وزارية غير المناصب الحالية، تمكنت الحكومة من وضع حد لاستجواب وزير الدولة. واستعانت أيضا بالمادة 45 من المرسوم الملكي الصادر في يوليو 2002، الذي يعفي وزير المالية من التدقيق. واعتُبر وزير العمل، الذي عُين في نوفمبر 2003، جديدا على منصبه لمحاسبته. وتدل هذه الأحداث على ضعف الحكومة ككل، بعد كشف تقرير اللجنة أن خسائر صندوقي التقاعد ناتجة عن القرارات الاستثمارية السيئة وسوء الإدارة والفساد.

إن إحباط أولى محاولات النواب الجدية لتأسيس مسؤولية الحكومة قد يقود البرلمان ليتقمص دورا فخريا. ولكن من جهة أخرى، فإن محنة صندوقي التقاعد قد تعزز الكفاح من أجل الديموقراطية في البلاد، من خلال تعزيز وجهة نظر المعارضة بأن البحرين ما زال أمامها شوط طويل قبل أن تصبح "مملكة دستورية عصرية" كما أعلنها الملك حمد في فبراير 2002.

** عبد الهادي خلف يدرّس علم الاجتماع في جامعة لوند بالسويد.

  عودة إلى المحتويات

 

أشباح ماضي البعثيين ومأساة الثقافة المدنية في العراق

بقلم:
راي سالفاتور جينينغس

التشوهات المجتمعية الموروثة عن العهد البعثي والعنف المتزايد في العراق يعيقان الجهود الرامية إلى خلق ثقافة مدنية مبنية على التسامح والتعاون والمبادرة الذاتية.

الغى النظام البعثي، بالأخص في عهد صدام حسين، حرية التنظيم والتعبير وأوجد عقدا زائفا وفر بموجبه الحماية والمعاملة التفضيلية لقلة قليلة أعطته الولاء. لقد اخترقت الدولة تقريبا كل الجهود الساعية إلى ايجاد فضاء مدني مستقل، في حين خلقت الرعب في قلوب الجميع، بما في ذلك أشد أنصارها ومؤيديها. والغت الدور التقليدي لعلماء الدين الإسلامي، كما شلت الشورى والإجماع والاجتهاد التي كان بامكانها أن تكون وسيطا في العلاقة بين الحاكم والمحكوم في المجتمعات المسلمة. ولم ينج من الاختراق الكامل سوى الشمال الكردي بعد عام 1991 والحوزة الشيعية ببرامجها الخيرية البعيدة عن الأضواء.

لم يكن غريبا إذن أن يترك سقوط نظام صدام حسين شعبا مجردا من الأمل وروح المبادرة ويتوقع في الوقت نفسه حلا فوريا تحت إدارة أمريكية. وهو وضع تشاهد تبعاته في كل شارع في العراق.

ومع ذلك، فقد شهد العراق السنة الماضية عملية إعادة تأهيل مربكة تبعث على الأمل للثقافة المدنية سواء بأشكالها التقليدية أو الأشكال الأكثر حداثة. فقد اعيدت الحياة إلى التعاون بين الأديان، ونشطت عملية الاجتهاد الإسلامي، كما أن النخب المحلية المسؤولة عن توزيع الموارد صارت تعمد إلى تسويق قراراتها عبر التفاوض بدل اللجوء إلى الاكراه. وأصبحت الأسواق والأماكن العامة الأخرى، ميادين للتعبير السياسي السلمي وان كان حادا. وقد سجل العراقيون مع سلطة الحكم المؤقتة، التي يشرف عليها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، 965 مؤسسة مدنية محلية تمتد من منظمات حقوق الإنسان وتشجيع الديموقراطية إلى المؤسسات الخيرية وجمعيات تمكين المرأة. ومقابل كل منظمة، مسجلة هناك العديد مما لم يتم تسجيله. ولكن، للأسف، لم يبد من هذه المنظمات المسجلة سوى 35 فقط استعدادا لتنفيذ جداول عمل طويلة الأجل لنشاطاتها. ويشكل الشمال الكردي استثناء لأن 10 سنوات من النمو تحت ما يشبه الاستقلال الذاتي أوجدت بنية تحتية قوية ومتطورة لمجتمع مدني.

لكن، ورغم هذا النشاط المدني المزدهر، تباطأت عملية ولادة ثقافة مدنية بسبب استمرار تأثير الهندسة السياسية للبعث، لا سيما تلك التي قام بها صدام بعد عام 1990 من اعادة الاعتبار للقبيلة وتكثيف استخدام مؤسسات الدولة كآليات للرعاية. ولهذا ظل الكثير من المنظمات المحلية غير الحكومية الناشئة، من النقابات المهنية إلى منظمات حقوق الإنسان، يبدو ببساطة امتدادا للقبيلة أو المصالح التجارية أو الفئات الدينية أو حتى لشبكات عائلية ضيقة. وتتمحور نشاطات هذه المنظمات المسماة غير الحكومية حول برامج عمل خاصة بالقبيلة أو الطائفة أو العائلة أو حول المكاسب الشخصية، بدل تمحورها حول تعزيز الصالح العام. والكثير منها مرتبط بشخصية معينة، تماما كما كان الحال في العهد السابق، وتجتذب الأعضاء عن طريق الوعد بتوفير الرعاية والحماية.

الوكالات والمنظمات الدولية تعمل منذ شهور عدة على تدعيم الأشكال التقليدية من الثقافة المدنية، وعلى تشجيع الممارسات الحسنة في أوساط المجموعات الجديدة وعلى طرد الأرواح الشريرة من المنظمات غير الحكومية القائمة على أسس قبلية ودينية وتجارية وعائلية. وتقوم مؤسسات مثل: سلطة الحكم المؤقتة، ووزارة الخارجية البريطانية، والوكالة الأمريكية للنمو الدولي، والمعهد الأمريكي للسلام، ومنظمة نساء من أجل النساء الدولية، والوقف الوطني للديموقراطية، والمجموعة الدنمركية المسماة الدعامة المدنية، والمنظمة الإيطالية المسماة أنترسوس وغيرها، تقوم بتقديم العون للمجموعات المدنية الجديدة في مجالات البرامج العملية وتطوير القابليات والقدرات. ويأتي أغلب التمويل لهذه النشاطات من 350 مليون دولار وفرتها أخيرا صناديق العون الأمريكية والتزامات الدول المانحة من أجل تشجيع الديموقراطية، حقوق الإنسان، والمجتمع المدني.

لكن التدهور الأخير في الأوضاع الأمنية أوقف كل هذه الجهود تقريبا خارج منطقة الشمال الكردي. وإذا كان التفاعل على المستوى المحلي ضروريا لإقامة علاقات مبنية على الثقة بين العراقيين أو بينهم وبين عمال الإغاثة والعون الدوليين، فإنه أصبح يشكل خطرا على الطرفين. كما أدى تصاعد الشعور بانعدام الأمن إلى زيادة حدة الطبيعة الإثنية والفئوية والقبلية للكثير من المنظمات.

صارت القوى المسيطرة في جنوب وغرب العراق تلجأ إلى الترهيب بهدف احتكار العمل الجمعي. مع تزايد التحديات السياسية والأمنية أمام عملية إعادة إعمار العراق، يزداد توجيه الأولويات الدولية نحو اعادة الاعمار المادي والاستعدادات الانتخابية التي من المأمول أن تقود إلى نتائج ايجابية في المدى القريب. ولكن من المرجح أنّ هذه النشاطات وحدها لن تنشئ علاقات المواطن بالدولة أو المواطن بالمواطن بشكل يقوي اللحمة الاجتماعية في فترة التحول الديموقراطي ويساهم في الشفاء والمصالحة الوطنية على المدى البعيد. إن الثقافة المدنية الوليدة في العراق، والتي تفسدها تأثيرات النظام السابق ويحرفها العنف المتصاعد عن مسارها، قد تنهزم أمام أشكال من التعبئة الاجتماعية القادرة على تقويض جهود بناء السلام.

** راي سالفاتور جينينغز هو المدير الإقليمي للمعهد الأمريكي للسلام في العراق. والآراء الواردة هنا هي آراؤه الشخصية.

  عودة إلى المحتويات

 

السلطة الدينية والسياسة في عراق ما بعد صدام

بقلم:
ديفيد سيدهارتا باتيل

بعد تحررالمرجعيات الدينية من سلطات الدولة، سارعت إلى ملئ الفراغ السياسي، الذي خلّفه سقوط نظام صدام حسين. وقد فعلت ذلك مستمدة قوتها من مكانتها الأخلاقية والاعتبارية ومن شبكات واسعة للاتصال الجماهيري، ومستفيدة كذلك من ضعف القوى العلمانية. ولا تزال هذه المرجعيات، بعد سنة، هي الموجه الرئيسي للرأي العام في أوساط غالبية العراقيين العرب.

لقد كرر الزعيم الشيعي البارز آية الله علي السيستاني تعبئة الرأي العام ضد الخطط الانتقالية لسلطة الحكم المؤقتة، التي يقودها التحالف بزعامة الولايات المتحدة. ومع ذلك فهو نادرا ما يتحدث في العلن، وانتاجه الوحيد المشهور ليس سوى دليل مبسط للعبادات والمعاملات. ولا تزال آراء السيستاني السياسية غامضة حتى على اتباعه. أما مصدر نفوذه الحقيقي، فهو شبكته الواسعة من الوكلاء، أو الممثلين الدينيين، والتي تمكنه من تنسيق وصول رسائله إلى مئات المساجد. وقد ورث السيستاني هذه البنية التحتية من شيخه وأستاذه آية الله أبو القاسم الخوئي (1899-1992) ويديرها نيابة عنه حاليا ابنه الأكبر محمد رضا.

في شهر كانون الثاني رفض وكلاء السيستاني، وبطلب منه، خطة التحالف القاضية بتعيين مجالس محلية، وطالبوا بدلا من ذلك بالانتخابات المباشرة. وادت خطب هؤلاء الوكلاء، بالاضافة إلى المنشورات والملصقات التي وزعتها المنظمات الشيعية المرتبطة بهم، إلى خروج آلاف الشيعة إلى الشوارع للتظاهر ضد الخطة. وبالأسلوب نفسه شكل الوكلاء الموقف السلبي للشيعة من الدستور المؤقت الذي اقترح في مارس 2004، القانون الإداري الانتقالي. وقد ركزوا في نقدهم على البند الذي يقول بأن الدستور الدائم لا يمكن أن يكون ساري المفعول إذا رفضه "ثلثا المصوتين في ثلاثة محافظات أو أكثر". فقد رأوا فيه "فيتو كردي" نظرا لوجود ثلاث مقاطعات في شمال العراق يشكل الأكراد غالبية سكانها. ونظرا لقلة معرفة العراقيين بتعقيدات النظام الفيدرالي، فقد تركت تصريحات الوكلاء بأن الفيدرالية ستخلق انقسامات بين المسلمين وستحرم الشيعة من مستحقاتهم المشروعة، تركت أثرا بالغا.

يستخدم السيستاني وكلاءه أيضا لتحجيم نفوذ مقتدى الصدر رجل الدين الشاب الذي يواجه قوات التحالف في النجف والذي تحارب قواته ضد الجيش الأمريكي في بغداد والجنوب. صحيح أن السيستاني لم يشجب بشدة ميليشيا الصدر ولكن وكلاءه افتوا بأنه لا يمكن لرجل دين صغير مثل مقتدى أن يأمر باطلاق انتفاضة دينية.

سلطة السيستاني ليست محصنة ضد الانتهاك. فهو يعلم أن منافسيه من القادة الشعبويين قد يتحدّون مقامه وهيبته، كما قد يتحدون تأثير المؤسسة الدينية بأكملها إذا ما جرى تجاهل بياناته. ولهذا يختار معاركه بشكل استراتيجي، حيث لا يصدر إلا الفتاوى التي تتناغم مع رغبات الشعب. وتفسر مثل هذه الاعتبارات تردد السيستاني في شجب الصدر مباشرة أو المطالبة بحل ميليشياته. ستضعف المكانة المعتبرة للسيستاني عند الشيعة، إذا ما تجاهل الصدر أحد بياناته الرسمية. وقد يحاول رجال دين آخرون التدخل مباشرة في عملية صنع القرار السياسي. وهذا سيقلل من قدرة السيستاني على التأثير في الأعضاء الشيعة في الحكومة المؤقتة التي ستلي عملية نقل السلطة يوم 30 يونيو.

في أوساط السنة العرب، تلعب هيئة علماء المسلمين، التي ينتمي إليها عبد السلام الكبيسي، دورا في تشكيل الرأي العام يشبه الدور الذي يلعبه السيستاني. تأسست الهيئة بعد سقوط بغداد وتقوم بتنسيق الخطب والرسائل السياسية من خلال المساجد السنية. وقد زاد أعضاء الهيئة من التوترات الطائفية باتهامهم للمليشيات الشيعية بالسيطرة على مساجد سنية بعد الحرب، كما ساهموا في تعطيل مخططات التحالف لنشر قوات تركية في العراق. من ناحية أخرى يحث أعضاء نافذون في الهيئة على شرعية المقاومة المسلحة ضد الاحتلال وعلى استهداف العراقيين المتعاونين معه. وساهم علماء تابعون للهيئة في تنظيم الفعاليات العربية السنية الرافضة للحصار الأخير للفلوجة، كما شجبوا سلسلة اختطاف الرهائن الأجانب في أبريل من ناحية أخرى، سلم متمردون سنة بعض الرهائن المخطوفين إلى معاوني الكبيسي.

طبعا لا تمثل هذه المرجعيات الدينية كل الشيعة أو السنة. فالكثيرون من الشيعة يختلفون مع مواقف السيستاني، لكن أصواتهم تظل غير مسموعة، ولا يلتفت إليها بسبب افتقارهم لآليات التعبئة الجماهيرية. كما أن الهيئة لا تعكس التنوع العربي السني، الذي يشمل السلفيين والصوفيين والإخوان المسلمين، إضافة إلى الوطنيين العلمانيين. وفي غياب منافسين أقوياء تتضخم قيمة الرسائل السياسية للهيئة. وهو أمر يعود جزئيا إلى استثناء التحالف للبعثيين السابقين من العملية السياسية وتهميشه للكثير من القادة القبليين من السنة.

العدول الأخير عن سياسة استئصال البعث، قد يخفف من تأثير الهيئة في أوساط بعض السنة العرب، ومع ذلك ستستمر المرجعيات السنية والشيعية في القيام بدور سياسي كبير بعد نقل السلطة إلى الحكومة الانتقالية التي ستتسلم السلطة يوم 30 يونيو وتحكم حتى إجراء الانتخابات مع حلول يناير 2005. وعلى الرغم من اعتراضات بعض أعضاء مجلس الحكم العراقي، فإن الأمم المتحدة والولايات المتحدة لا يزالان يصران على تعيين تكنوقراطيين وزعماء غير قبليين من المجهولين سياسيا، والمفتقرين إلى الدعم الشعبي الحقيقي في هذه الحكومة. وهذا الوضع سيقود إلى ثلاثة تداعيات رئيسية: أولا، ورغم عدم وضوح الصلاحيات التشريعية للحكومة المؤقتة، فمن المرجح أن المراجع الدينية ستشن حملة منظمة لاستبدال قانون الأحوال الشخصية الحالي بقوانين دينية، كما حاولوا من دون جدوى أواخر 2003 وأوائل 2004. ثانيا، سينازعون بحدة شكل الفيدرالية العراقية. وسيكون لاعتراض السيستاني على "الفيتو الكردي" وعلى أي نقل للسلطة بعيدا عن المركز.. أثر كبير في النقاش الذي سيدور. ثالثا، وربما هذا هو الأهم، ستعوق سيطرة المرجعيات الدينية على الاتصال الجماهيري قدرة الرأي العام على التشكل بعيدا عن الأسس غير الطائفية.

** ديفيد سيدارثا باتيل باحث دكتوراة في كلية العلوم السياسية في جامعة ستانفورد. وقد أمضى السنة الماضية في إجراء بحث في العراق

  عودة إلى المحتويات

 


أخ