مايو
2005، المجلد 3، العدد 4
ميشيل دَن، المحررة
جوليا شقير، مساعدة بحث
ملاحظة
من المحرر:
يقدِّم
هذا العدد من "نشرة الإصلاح
العربي" تركيزا خاصا على دور الشيعة في الحياة السياسية في البلدان العربية.
يستكشف الكُتّاب خلفية النشاط السياسي للمواطنين الشيعة في لبنان والعراق ومترتباته، ويبدأ كل من قسمي "أخبار وآراء" و
"اقرأ" بنظرات على التطورات والمنشورات المتعلقة بالأوساط الشيعية. إضافة إلى ذلك، نحمل إليكم تحليلات ومتابعات عن الأحداث الهامة
في فلسطين والأردن ومصر وفي أنحاء المنطقة.
-
ميشيل
دَن
نظرات
وتحليلات
تسيُّس
الشيعة في الشرق الأوسط بقلم:
رودجر
شاناهان
لبنان:
الشيعة يعبرون عن هوية سياسية بقلم: أمل سعد – غريّب
العراق:
التوجهات السياسية بين الشيعة بقلم: عباس كاظم
فلسطين:
صراع حاد يسبق الانتخابات بقلم:
ناثان
براون
الأردن:
الديموقراطية
في طريق مسدود بقلم: شادي
حميد
أخبار
وآراء
الشيعة
في العالم العربي
مصر:
تعديل
الدستور، المطالبات بالإصلاح تنتشر
العراق:
وزارة ولجنة دستور جديدتين
فلسطين:
الانتخابات البلدية جارية
لبنان:
الانتخابات التشريعية
السعودية:
انتهاء الانتخابات البلدية
الكويت:
مجلس الأمة يمنح المرأة حق التصويت والترشيح
البحرين:
إصلاح قانوني
قطر:
قانون جديد للجمعيات
تونس:
تطورات في حقوق الإنسان
الجزائر:
العفو عن انتهاكات حقوق الإنسان
أحداث
سياسية مقبلة
آراء
من الإعلام العربي
اقرأ
منشورات
حديثة حول الحركات السياسية الشيعية؛ "الربيع العربي"، مبادرات الإصلاح العربي،
خطة عمل "أوروبية - متوسطية"، وبناء دولة فلسطينية قادرة على الحياة.
نظرات
وتحليلات
تسيُّس
الشيعة في الشرق الأوسط
بقلم:
رودجر
شاناهان
منذ
الثورة الإيرانية لم تكن مسألة التطور السياسي للشيعة موضعا لهذا القدر من
الاهتمام من جانب مراقبي الحياة السياسية في الشرق الأوسط. فنجاح المرشحين الشيعة
في الانتخابات العراقية الأخيرة، والدور البارز الذي قام
به
"حزب الله" في تعبئة القاعدة المناصرة له في لبنان لمظاهرات موالية لسورية، ونجاح
المرشحين الشيعة في المنطقة الشرقية من العربية السعودية أثناء الانتخابات البلدية
في ذلك البلد، خلقت انطباعا بجريان تعبير جديد عن الهوية السياسية الشيعية داخل
المنطقة.
مع
دفع الولايات المتحدة من أجل التحول
الديموقراطي
في المنطقة، قد تكون الشروط حاضرة لتغيير وضع الشيعة الاجتماعي ـ السياسي المتدني
تاريخيا من خلال العمل السياسي.
قبل
التسرع إلى استخلاص أن النجاح الانتخابي الأخير للأحزاب السياسية الشيعية في
العراق ينبئ بتزايد في النشاط السياسي للشيعة في المنطقة،
يجدر
بالمراقبين السياسيين أن ينظروا إلى النشاط السياسي الشيعي في سياقه المحلي. ربما
يكون تنوع المصالح السياسية الشيعية الناشطة مرسوما على أفضل وجه في لبنان.
هنا، "حزب الله" الموالي لإيران يمثل بعض، وبأي حال
ليس كل، السكان الشيعة.
فحركة
"أمل" المنافس المحلي لحزب الله أسسها العالم الديني موسى الصدر، لكنها الآن تحت
رئاسة المدني نبيه بري وتتطلع، من أجل الدعم، إلى سورية، وليس إلى إيران.
ورجل
الدين الشيعي اللبناني آية الله محمد حسين فضل الله، قادر على ممارسة قيادة سياسية
يعبر عنها حجم أتباعه، لكنه يحافظ على استقلاله عن كل من الحزبين السياسيين
الشيعيين في بلده، وعن القيادة الإيرانية أيضا. كما
أن
للشيعة حضورا قويا في الحزب الشيوعي اللبناني.
ثمة
تخوف غير منطوق من
تسيُّس
الشيعة بين المحللين السياسيين الغربيين، يقوم، في جزء كبير منه، على حصيلة الثورة
الإيرانية وعلى اعتقاد بأن
تسيُّس
الشيعة موجه دائما من رجال الدين ـ وهو بالتالي معادٍ أوتوماتيكيا للأمريكيين. هذه
النظرة تتجاهل حقيقة أن الحكم
الثيوقراطي
على الطريقة الإيرانية لا يجتذب إلا نسبة صغيرة من الجماعات السياسية الشيعية.
فرئيس
الوزراء العراقي إبراهيم الجعفري، على سبيل المثال، نقل عناصر حزبه "الدعوة" من
إيران كي يتجنب أن يكون وثيق الارتباط بالآراء الإيرانية حول القيادة السياسية.
تماما مثلما أعمت التخوفات الأمريكية أثناء الحرب الباردة من أن الاتحاد السوفييتي
كان وراء الحركات السياسية الاشتراكية جميعا، الولايات
المتحدة عن المعنى الحقيقي للظلم السياسي والاجتماعي الذي أنتج الكثير من تلك
الأحزاب، يحتاج محللو السياسة إلى أن ينظروا نقديا إلى الظروف التي يجد فيها
الشيعة أنفسهم داخل كل بلد قبل أن يستخلصوا أن كل الطرق السياسية الشيعية تؤدي إلى
طهران.
لا
يرمي هذا كله إلى إنكار أن هناك
بنياناً أيديولوجياً شيعياً متجاوز للحدود بطبيعته، أو أن إيران لها تأثير نشط على
بعض الأحزاب السياسية الشيعية. في العراق، على سبيل
المثال، توفر الروابط التاريخية والتعليمية لإيران مع شركائها في الدين في جنوب
البلاد أساسا متينا لتداول النفوذ عبر الحدود. في الوقت
نفسه، توفر فكرة الراحل آية الله الخميني حول "ولاية الفقيه" جسرا
أيديولوجيا يربط القيادة الإيرانية مع الشيعة الآخرين في المنطقة. و"حزب
الله" اللبناني و"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق"
مثالان على أن المرجعية النهائية حول مسائل الأيديولوجية السياسية (متميزة عن
السياسات المحددة) تبقى مع إيران. كما وجد "حزب
الله" في لبنان متعدد الديانات، على أي حال، إن الظروف التي سمحت بتطبيق
مفهوم "ولاية الفقيه" في إيران غير قائمة في لبنان. ومن
هنا تبقى القيادة السياسية لرجال الدين بالنسبة إليهم هدفا بعيدا، وليست مما يمكن
تحقيقه في المدى القريب أو المتوسط.
يقدم
التحول إلى
الديموقراطية
للشيعة طريقا للتغلب على إقصائهم السياسي من خلال توظيف ثقلهم
الديموغرافي.
وقد
منحت الانتخابات العراقية الشيعة الذين يقدر تعدادهم ب 60 بالمائة من السكان
القدرة على تحقيق الصوت السياسي القوي الذي أُنكِر عليهم في الماضي.
وفي
لبنان يدعو كلا الحزبين الشيعيين إلى تغييرات في قانون الانتخابات الذي يخصص
للشيعة أعدادا من المقاعد البرلمانية أقل بكثير من مما تستحقه أعدادهم. وبينما
تعود المحاولات الشيعية لتغيير الوضع السياسي الراهن في المنطقة إلى 40 سنة مضت ـ
من الانجذاب إلى الأحزاب اليسارية إلى النشاط الثقافي لعلماء النجف في الخمسينات
والستينات من القرن الماضي ـ ما هو مغاير الآن هو أن هناك بيئة دولية أكثر سماحا
بتحويل القوة
الديموغرافية
إلى سلطة سياسية. لا يعني هذا أن البلدان ستصبح
استنساخات
عن إيران إذا حصل الشيعة على السلطة السياسية؛ ستكون الظروف المحلية هي التي تقرر
التوجه السياسي للشيعة.
** د. رودجر شاناهان زميل بحث زائر في
جامعة آسيا والمحيط الهادئ بسيدني. وستنشر IB Tauris كتابه "شيعة
لبنان: العصبيات والأحزاب ورجال الدين" في أغسطس 2005.
عودة
إلى المحتويات
لبنان:الشيعة يعبرون عن هوية سياسية
بقلم: أمل سعد ـ غريّب
رغم
أصولها السلبية، لا يبدو أن التعبئة الأخيرة للطائفة الشيعية في لبنان مرحلة
عابرة، بل بالأحرى فصل جديد في ملحمة مستمرة من الوعي والنشاط الجماعيين لها
مترتبات
سياسية بعيدة المدى. فالمناخ السياسي بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري
أدى إلى عرض غير مسبوق للوحدة داخل الجماعة. فالدعوات الحادة من جانب المعارضة
السُّنية ـ الدرزية ـ المسيحية إلى انسحاب القوات السورية وإلى فض الارتباط
السياسي مع لبنان قابلها فيض من
التاييد
الشعبي الذي ظهر جليا فيما ما تلاها من مظاهرات "انتفاضة الاستقلال".
ومع
تصاعد الحركة داخليا ودوليا، أعاد الشيعة تحديد موقعهم من حالة أولية من الحياد
المتحفظ إلى حالة من المشاركة الصريحة، ما حوّل الطائفة الشيعية فعليا إلى معارضة
للمعارضة.
حسب
"حزب الله"، فإن تعيين
المعارضة العلمانية نفسها ناطقا باسم كل اللبنانيين وتصويرها من جانب الإعلام
المحلي والغربي على أنها تمثل البلد بأكمله استفز الشيعة المستبعدين وحفز تعبئتهم.
فعلى نحو ما شرح نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم
قاسم، "وجدنا أن علينا قول ’لا‘، هناك رأي آخر في لبنان يرفض [ قرار الأمم
المتحدة ] 1559 وتدويله." من المهم ملاحظة أن رفض الشيعة للقرار 1559 لم يصدر
عن رفضهم للفقرة التي تدعو إلى انسحاب سوري من لبنان إنما بالأحرى من النص على
وجوب حل جميع الميليشيات اللبنانية [ وغير اللبنانية ]. وهكذا،
فإن الدافع الرئيسي وراء المظاهرة الضخمة التي نظمها "حزب الله" يوم 8
مارس 2005 هو الدفاع عن دور "حزب الله" كحركة مقاومة ضد إسرائيل، وهو
دور ضمنته سورية وثبّتته في اتفاق الطائف في 1989. وبالتالي كان التأييد لسورية
كناية عن التأييد للمقاومة. ويكشف استطلاع أخير لمؤسسة "زغبي إنترناشونال" أن 90 بالمائة من جميع المتظاهرين زعموا إن
دافعهم إلى المشاركة في المظاهرة كان "مناصرة حزب الله." كما قال تقرير الاستطلاع أن أغلبية كبيرة من المتظاهرين يدينون
القرار 1559 كما الدورين الأمريكي والفرنسي في إنتاجه، وبذلك يعبرون عن رفضهم
للتدويل الضمني للوضع.
اجتذبت
مظاهرة 8 مارس إلى قلب بيروت، ما بين
ستمائة ألف ومليون متظاهر، من الشيعة أساسا. وكان المركز المحدد للمظاهرة هو منطقة
وسط المدينة الفاخرة، وهي محاولة متعمدة لإبراز عدم التناسق بين المتظاهرين وموقع
المظاهرة وأيضا إيماءة جماعية تؤكد الحضور الوطني. فالشيعة
المستبعدون والمحرومون تاريخيا، الذين يرتبطون عموما بالضواحي الجنوبية الفقيرة
أكثر من مركزها الذي يتميز بالرخاء، خرجوا ليعلنوا مطالبتهم بالحق في العاصمة
والساحة السياسية التي ترمز إليها.
ويرسم
الحجم الضخم للمظاهرة ووحدة دافع المشاركين فيها، إضافة إلى مؤشرات أخرى على
التهميش والسخط، هوية سياسية فريدة يتشارك فيها الشيعة، تتجاوز الخط الفاصل بين
العلمانية والدينية وكذلك فوارق الانتماء السياسي والطبقة الاجتماعية. وعندما
تتساءل عناصر معينة في حركة المعارضة عن مكونات هذه الهوية ـ مقاومة
إسرائيل، العداء للإمبريالية، العروبة السياسية
والثقافية، وتمكين الشيعة ـ كان هذا يعتبر تهديدا للهوية الشيعية.
تشير
الديناميات
الطائفية إلى نشوب حرب لغوية تتفكك من خلالها تعريفات مختلفة لمفاهيم مشحونة مثل
الحرية، والسيادة، والاستقلال، والوطنية، والإرهاب؛ ويعاد بناؤها من جانب مختلف
الطوائف. وتتخذ إعادة البناء الشيعية لتلك المفاهيم شكل الدعم الجماعي للمقاومة.
لإن
حماية المقاومة تتطابق مع الهوية السياسية الشيعية. فدور المقاومة في مواجهة
إسرائيل، منظور إليه من هذا المنظور، لا يمكن فصله عن صلاحيته كحارس شيعي جماعي ـ
دور
لايعترف
به
علنا أبدا، لكنه مع ذلك محفور في اللاوعي الجماعي الشيعي. وهكذا تقوم المقاومة
كتعويض سياسي عن النقص في التمثيل السياسي الشيعي؛ فرغم أن نحو 40 بالمائة من
اللبنانيين شيعة، خصص للطائفة 21 بالمائة من المقاعد البرلمانية.
تبعا
لذلك، فإن أي خطة تسعى إلى نزع سلاح
المقاومة ستعتبر نوعا من تجريد الطائفة من السلطة وستجعل من الشيعة قوة محتملة
لعدم الاستقرار، تهفو إلى قلب الوضع الراهن السياسي. وقد
لا تكتفي الطائفة بالتوزيع السياسي المنصوص عليه في اتفاق الطائف وقد تسعى إلى
تصحيح الخلل في التوازن بالعمل على إلغاء الطائفية السياسية. ويمكن أن يقوم حزب
الله بدور رئيسي في مثل هذا الجدل، لاتردعه سورية أو
أولويته لمقاومة إسرائيل ( التي قدم في سبيلها العديد من التضحيات)، متطلعا إلى
تحقيق برنامجه الإقليمي من خلال ديموقراطية قائمة على
الأغلبية وبذلك يمترس نفسه كحارس للهوية السياسية
الشيعية.
أمل
سعد ـ غريّب أستاذ مساعد في الجامعة اللبنانية
الأمريكية .
مؤلفة كتاب "حزب الله" السياسة والدين" ( بلوتو
برس، 2002).
عودة
إلى المحتويات
العراق: التوجهات السياسية بين الشيعة
بقلم: عباس كاظم
منذ
انهيار نظام صدام حسين، برز شيعة العراق إلى مقدمة الجدل بين المثقفين والسياسيين
الغربيين والعرب. فشيعة العراق، الذين هم أغلبية واضحة من أكثر من 60 بالمائة من
السكان، لم يشغلوا
ابدا
مركز الأغلبية أو حتى الأقلية القوية في الحياة السياسية العراقية منذ تأسيس
العراق الحديث قبل
تمانية
عقود.
كما
أخضعوا من جانب الحكومات التي حكمتهم، لظروف معيشة دون الإنسانية، رغم حقيقة أن
أكثر من نصف النفط العراقي يقع في أراضيهم.
دفعت
انتفاضة 1991 ضد النظام العراقي بقضية
الشيعة
إلى اهتمام العالم، إنما لوقت قصير فقط. كان التركيز الكبير على مصير
الأكراد، بينما لقيت آلام الشيعة القليل من الاهتمام.
في
قلب هذا التجاهل الفاضح كان الاعتقاد الغربي أن حكومة شيعية في العراق ستستنسخ
النظام الإسلامي في إيران. هذا الفشل في فهم شيعة العراق له جذوره الأكاديمية. وقد
أصاب الأكاديمي يستحق نقاش عندما بيّن أن معرفة الغرب الموروثة بطبيعة الشيعية
الحديثة تأتي أساسا من العدد الكبير من الدراسات حول الإسلام والثقافة والمجتمع
الشيعي الإيراني.
ولفهم
أفضل
للديناميات
الدينية والسياسية في العراق الجديد، بوسع المرء أن يفحص كيف تصرف الشيعة في
العامين الماضيين. وترسم
حالتان
التوجهات الرئيسية في النشاط الشيعي في مرحلة ما بعد صدام.
الأولى، في الانتخابات العراقية يوم 30 يناير 2005،
أدهش الأداء الضعيف للحزب الشيوعي العراقي كثيرا من المراقبين. فرغم كونه أقدم حزب
قائم في العراق، بعضوية كبيرة وبقاعدة عريضة من المتعاطفين، حصلت قائمة الحزب
الشيوعي، "اتحاد الشعب" على اثنين فقط من مقاعد الجمعية الوطنية
ال
275.
لترجمة
هذا في أرقام محددة، حصل الشيوعيون على أقل من 70 ألفا من 8 ملايين بطاقة
انتخابية. في الصباح التالي، قدمت صحيفة الحزب، "طريق الشعب"، تحليلا صريحا: جزء
من المشكلة أن أعدادا كبيرة من القاعدة الرئيسية للحزب، الشيعة، صوتت إلى جانب
التحالف العراقي الموحد، وهي قائمة تدعي أنها مؤيدة من آية الله علي
السيستاني. وفي نهاية اليوم، أيقظت الرايات الشيعية
السوداء والخضراء مشاعر أقوى من رايات الشيوعيين الحمراء.
وتتعلق
الحالة الثانية بالحركة القوية والنشيطة للمستبعدين في عراق ما بعد صدام، حركة
الصدر. التفت
الجماعة
حول الشاب مقتدى الصدر، ابن الشهيد آية الله محمد صادق الصدر ووريث عائلة معروفة
بإسهامها السخي في الفقه الشيعي والحياة السياسية العراقية.
وعندما
أدركت مجموعة من اليافعين الفرصة التي يقدمها فراغ السلطة في أعقاب انهيار النظام،
ارتدوا عمائم سوداء أو بيضاء وأعلنوا ولاءهم لمقتدى الصدر، واستولوا على كل ما
استطاعوا الاستيلاء عليه من المساجد، وأقاموا مكاتب في العديد من المدن.
غيّروا
اسم أكبر ضواحي بغداد ( في الأصل مدينة الثورة ثم مدينة صدام ) إلى مدينة الصدر.
وبالمثل أعادوا تسمية أي شيء يحمل اسم صدام إلى اسم الصدر ـ مستشفيات، أحياء،
أسواق ،
إلخ.
وبعد
أن سيطروا على العديد من المدن
العراقية، فرض أنصار الصدر فهمهم الخاص للقوانين الإسلامية. ولأنهم كانوا أصغر من
أن يكونوا تجاوزوا المراحل الأولى من التعليم الديني أو حتى التحدث بالعربية
المتداولة بمستوى مقبول، ظهروا على محطات التليفزيون مثل " الجزيرة"
ونجحوا في تأكيد أنفسهم كرجال دين حاكمين في مدن مثل النجف وكربلاء والبصرة والكوت، بفضل بنادق حراسهم الشخصيين ذي السلوك الخشن والميليشيا
التي ارتاحوا إلى تسميتها "جيش المهدي". بل
أنهم أقاموا محاكمهم الخاصة وعقدوا محاكمات كثيرا ما انتهت إلى عقوبات قاسية وغير
عادية لتجاوزات تتراوح بين امتلاك الكحول وسير النساء علنا دون ما قرروا أنه تحجب
صحيح. أما التجاوزات الأكبر، مثل العمل لدى قوات الاحتلال، فكانت عادة تتلقى عقوبة
الإعدام. ولم يمنع الافتقار إلى المؤهلات الدينية
المتفشي بين مقتدى الصدر وزملائه الذين أعلنوا أنفسهم رجال دين، مئات الآلاف من
إظهار التعاطف تجاه الحركة.
لقد
أدت عقود من القمع على أساس من الانتساب إلى هوية، إلى تمييع الخط الفاصل بين
الديني والدنِس. فمجال الهوية الشيعية العلمانية ينكمش باستمرار، بينما يتوسع مجال
التدين السياسي.
إذا
كانت العلمانية عاجزة عن صون نفسها، فعليها أن تفسح المجال لنوع من الحياة
السياسية أكثر تشبعا بالدين. ليس هذا بالضرورة شيئا سيئا، طالما يواصل التدين
الشيعي القائم على المعرفة التفوق على التعصب الجاهل.
**
عباس كاظم مرشح لدرجة الدكتوراه في قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة كاليفورنيا،
بيركلي.
عودة
إلى المحتويات
فلسطين: صراع حاد يسبق الانتخابات
بقلم: ناثان براون
من
المقرر أن ينتخب الفلسطينيون برلمانا
جديدا
في 17 يوليو 2005. الرهانات عالية جدا، خصوصا أن جماعات بقيت في الخارج في
الانتخابات البرلمانية في 1996 ـ أبرزها "حماس" إنما أيضا جماعات أصغر ـ ستتقدم
بمرشحين. جماعات مختلفة تتجادل حول النظم الانتخابية. فالحكومات العربية تتلاعب
عادة بقوانين الانتخاب وفي أذهانها نتيجة بعينها.
ما
هو غير مألوف في الحالة الفلسطينية أن القانون الانتخابي يجري تعديله ليس على خطوط
أملتها الحكومة لكن من خلال مساومات حادة بين عديد من الأطراف. لم تتقرر الأمور
الحيوية بعد، وتهدد المفاوضات المطولة بتأجيل الاقتراع.
في
سياق صياغة تشريع للانتخابات، ناقش البرلمان الحالي إجراءات التسجيل، وحصة للنساء،
وسن الصلاحية للترشح. لكن المسألة
محل
الخلاف الأكبر كانت المزيج بين التمثيل النسبي والاقتراع على أساس الدوائر.
فينما
جرت انتخابات 1996 على أساس الدوائر وحدها، يبدو أن من المحتمل أن المقاعد الآن
ستخصص حسب حصة الحزب من الاقتراع الوطني، بينما تذهب مقاعد أخرى إلى من يحصلون على
الأصوات في 16 دائرة متعددة الأعضاء. وللتوازنات الدقيقة
مترتبات
مهمة على نتيجة الانتخابات، وقد قدّمت الأطراف مواقف حادة الاختلاف.
*
تخشى الجماعات
الأصغر
من أن الحزبين الكبيرين، "فتح" و"حماس" سيكتسحانهم في التصويت في الدوائر.
وقد
أصرت على أن يُمنح عدد كبير من المقاعد حسب حصة الحزب الإجمالية من الاقتراع
الوطني.
*
كثير من النواب الحاليين يحسبون أن فرصهم في إعادة الانتخاب أكبر إذا استطاعوا
الاعتماد على ناخبيهم المحليين.
وقد
يجبرهم التحول إلى نظام التمثيل النسبي على التنافس في المجال الوطني وعلى أن
يناضلوا من أجل مركز متقدم في قائمة حزبهم ( أو في حالة المستقلين ) أن يستبعدوا
تماما.
*
في
ظل النظام الحالي، تتمتع غزة بتمثيل في البرلمان يزيد قليلا عما تستحق؛ ولذلك
يتمنى نواب غزة تجنب إعادة تقسيم الدوائر إن استخدمت.
*
"حماس
أقل انشغالا بالصيغة الدقيقة، لأنها ستكون في حالة جيدة على كل من المستوى الوطني
وفي الدوائر. لكن الحركة تتحرق لإجراء الانتخابات بينما شعبيتها مرتفعة
وبالتالي
ترغب في تسوية المسألة بسرعة.
*
"فتح" تتجاذبها اتجاهات مختلفة، حيث يزيد شبح الهزيمة الانتخابية من حدة
الانقسامات الحزبية.
بوسع
"فتح" أن تكتسح الجماعات الأصغر في الاقتراع في الدوائر