نشـــرة
الإصـــلاح العــــربي
تنشرها
مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
تترجمها
دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر.
مايو
2006، المجلد 4، العدد 4
ميشيل
دَن، محرر
خوليا
شقير، محرر مساعد
نظـــرات
وتحليلات
اليمــن:
محاولة استعادة مسوغـات الإصلاح
غريغوري دي جونسون
مصــر:
القضاة يكسبون تأييد الجمهور لكن ليس التنازلات من الحكومة
آيمي هوثورن وهشام نصر
ســـورية:
إصلاح الإعلام ونواقصه
مروان م. كريدي
دول
الخليــج:الأهداف الحقيقية لإصلاح التعليم
ابتسام الكتبي
أخبـــار
وآراء
العراق:
حكومة جديدة
الكويت:
إصلاح القانون الانتخابي؛ تعديلات على قانون التجمعات
البحرين:
الحكومة تضغط على "المعهد الديموقراطي الوطني"
مصر:
انقضاض على الاحتجاجات
سورية:
انقضاض على نشطاء حقوق الإنسان؛ تأسيس لجنة لمناقشة القانون الانتخابي
فلسطين:أسرى
حماس وفتح يوقعون على موقف مشترك
الأردن:
تأسيس أول محطة تلفزيون خاصة
ليبيا:
الولايات المتحدة تعيد العلاقات الديبلوماسية الكاملة
الجزائر:
الرئيس يعفو عن صحافيين
المغرب:
إصلاح قانون الانتخاب؛ انقضاض على حرية الصحافة
تقارير
حرية الصحافة
أحداث
سياسية مقبلة
آراء
من الإعلام الأمريكي
اقـــرأ
منشورات
جديدة عن العراق، مصر، الأردن، فلسطين، المملكة العربية السعودية، اليمن،
والتوجهات الإقليمية حول الإصلاح
نظــرات
وتحليلات
اليمن:
محاولة استعادة مسوغات الإصلاح
غريغوري
دي جونسون
يتطلب
سعي الرئيس علي عبد الله صالح إلى إعادة انتخابه مجهودا أكثر مما كان متوقعا لرجل
في عامه الثامن والعشرين في السلطة، لكن ليس لأنه يواجه منافسة حقيقية. فليس من
المحتمل أن يواجه متحديا جديا في الانتخابات الرئاسية في سبتمبر، حيث لا يبدو أحد
من المرشحين الأحد عشر المحتملين قادرا على الحصول على أصوات التأييد المطلوبة من
مجلسي البرلمان. يتطلب التصويت البرلماني الذي يمكن أن يجري مبكرا في يونيو، أن
يؤيد 5 بالمائة على الأقل من المجلس المنتخب المكون من 301 مقعدا و5 بالمائة من
المجلس الاستشاري المُعيَّن المكون من 111 مقعدا قبل أن يوضع اسم المرشح على قائمة
المرشحين.
يتطلب
الدستور فعليا أن يشارك مرشحان على الأقل في الانتخاب، لكن من المحتمل أن يواجه
صالح خصما رمزيا. حتى الآن لم يحصل أي متحدٍ محتمل على تأييد حزب سياسي. في
الانتخابات السابقة في 1999، فاز صالح ضد عدد من أعضاء حزبه "مؤتمر الشعب العام"،
بينما عين أكبر أحزاب المعارضة، "الإصلاح"، صالح مرشحا له. فلا غرابة أن أحرز صالح
فوزا كاسحا.
مع
ذلك، كانت حملة هذه السنة أكثر تعقيدا من حملة 1999 لأن على صالح أن يفوز ليس فقط
على ناخبيه المحليين، إنما عليه أيضا أن يُقنع الولايات المتحدة بأنه جاد في
الإصلاح إن كان يريد مواصلة تلقي الدعم المالي الكبير الذي سيحتاجه اليمن في
السنوات المقبلة.
أصبحت
مشاكل صالح مع الجمهور الخارجي واضحة عندما زار واشنطن في نوفمبر 2005، متوقعا
تكريمه كحليف مهم في الحرب على الإرهاب. بدلا من ذلك انتُقِد على الفساد في حكومته
وعلى تآكل الديموقراطية. وعُلِّق اليمن من برنامج الولايات المتحدة للمعونة، بينما
خفض البنك الدولي حزمة معوناته بنسبة الثلث، من 420 إلى 280 مليون دولار.
ثم
في أوائل فبراير 2006 زادت سمعته في الولايات المتحدة تدهورا عندما فر من سجن في
صنعاء 23 سجينا، بمن فيهم 13 يشتبه انهم من "القاعدة". لم يكن بوسع اليمن أن يفعل
سوى القليل لتبديد الاقتناع العام بأن المسجونين تلقوا مساعدة من الداخل. في وقت
لاحق قال صالح في مقابلة مع صحيفة "الحياة" ان هناك اتصالات جارية مع الهاربين.
وقد أعيد اعتقال تسعة منهم منذ ذلك الحين. لكن الشبهات حول صالح ما زالت تتلكأ في
واشنطن.
حاول
صالح تلميع مؤهلاته كإصلاحي وإصلاح بعض ما لحق بسمعته من ضرر بتعديل وزارته في 11
فبراير. وبينما كان معظم المعيَّنين الجدد بيروقراطيين غير جذابين، فقد عيّن في
الوزارة حفنة من النساء والإصلاحيين في محاولة لإظهار أن الأمور تتغير في اليمن.
أعاد صالح تسمية إصلاحيين ليرأسوا وزارتي المالية والإعلام، سيف العسلي وحسان أحمد
اللوزي. هاتان وزارتان من أهم الوزارات بالنسبة للحكومات والمؤسسات الأجنبية
القلقة حيال الفساد والافتقار إلى الحرية في اليمن. يؤيد العسلي الإصلاحات التي
كان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يلحان عليها في اليمن. اللوزي شاعر ذو شعبية
يتوقع منه أن يقلب بعض التجاوزات الأخيرة على حرية الصحافة.
كما
ضاعف صالح عدد النساء في حكومته. فاستبدل وزيرة حقوق الإنسان، أمَة السوسوة بامرأة
أخرى، خديجة الهيشمي. أما السوسوة التي كانت تتمتع بشعبية كبيرة لدى الحكومات
الغربية فقد رشحها كوفي عنان لترأس المكتب العربي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
كما سمى أمَة الرازق حمَد، أعلى امرأة منصبا في مؤتمر الشعب العام، وزيرا للشؤون
الاجتماعية.
واستبدل
الجنرال يحيى العمري محافظ صعدة، مركز تمرد الحوثي منذ 2004. وكان العمري لعب دورا
رئيسا في إشعال القتال في بدايته. وحل محله الجنرال يحيى الشامي، الذي أشرف على
الإفراج عن 627 من أتباع الحوثي من السجن كبادرة حسن نية في أوائل مارس.
مع
ذلك، فبعد ثلاثة شهور، واضح أن تلك التعيينات كانت ذات تأثير ضئيل. فقد اندلع قتال
متفرق بين الحكومة وأتباع الحوثي في أبريل، ما يهدد الهدنة الهشة. ولم تكن للعسلي
واللوزي فعالية في تحقيق تغييرات ذات مغزى في المجالين المالي والإعلامي؛
فالإصلاحات الاقتصادية الكبيرة ما زالت بعيدة كما كانت دائما، بينما تتواصل محاكمة
أحد الصحافيين واضطهاد آخرين. ويرى المراقبون داخل اليمن وخارجه بوضوح أن تحركات
صالح الأخيرة لم تكن إلا تجميلية. فبينما صالح سيحظى بفوز انتخابي في سبتمبر، لا
يزال أمامه طريق طويل كي يقنع الولايات المتحدة أنه جاد بشأن التغيير في اليمن.
غريغوري
دي جونسون
حائز سابق
على منحة فولبرايت
في اليمن،
مرشح
للدكتوراه في دراسات التاريخ والشرق الوسط والإسلام في جامعة نيويورك.
عودة
إلى محتويات
مصر:
القضاة يكسبون تأييد الجمهور لكن ليس التنازلات من الحكومة
آمي
هوثورن وهشام نصر
في
الأسابيع الأخيرة، بعد أشهر قليلة من الهدوء، طفت حركة استقلال القضاء في مصر في
مواجهة رئيسية مع "المجلس الأعلى للقضاء"، الذي ينظر إليه أنصار الإصلاح من القضاة
باعتباره وثيق الصلة بالسلطة التنفيذية أكثر مما يجب. واستجابة لإجراءات المجلس
لمحاكمة القاضيين الإصلاحيين هشام البسطويسي ومحمود مكي بزعم اتهامهما قضاة آخرين
بارتكاب تزوير انتخابي، نظم القضاة اعتصاما ضخما في نادي القضاة في القاهرة. خرج
مئات من المتظاهرين إلى الشوارع تضامنا. وأرسلت آلاف من قوات الأمن لتفريق
المظاهرات، ما أدى إلى مئات الاعتقالات وما تردد عن عمليات ضرب. زادت المسألة
تعقيدا عندما أصيب البسطويسي بأزمة قلبية في 17 مايو. ورغم أن القاضيين أصبحا
بطلين شعبيين، بل ويمكن أن ينتصرا في النزاع الحالي، فمن المحتمل أن يراوغ التحقيق
الهدف المركزي للحركة بإصدار قانون جديد يحمي استقلال القضاء.
شن
القضاة حركتهم من أجل التغيير في اجتماع صاخب في مايو 2005 حيث هددوا بمقاطعة
إشرافهم على انتخابات خريف 2005 ما لم تستجب الحكومة لمطالبهم بقانون جديد
وإصلاحات أخرى. حتى الآن، كان إنجازهم الرئيسي هو بناء قاعدة تأييد عن طريق اللعب
بسياسات وطنية كبيرة ـ ما يجافي طبيعة القضاة. أولا، أضاف زعماء الحركة ببراعة
الأهداف التي تتمتع بتأييد واسع مثل الطلب بانتخابات نظيفة وإنهاء حالة الطوارئ
وحماية الحريات المدنية، إلى جدول أعمالهم الذي كان يتكون من الطلب بإنهاء سيطرة
وزارة العدل على ميزانية القضاء، وأن تقوم السلطة القضائية بانتخاب رؤساء المحاكم،
وجعل نادي القضاة وليس المجلس الأعلى للقضاء الممثل الرسمي لمصالح رجال القضاء.
واستخدموا الإعلام لنشر رسائلهم، وأصدروا تقارير جارحة لإدارة الحكومة لانتخابات
2005، وهددوا بإضرابات كبيرة، وأقاموا علاقات مع المشرّعين المتعاطفين (أغلبهم من
المعارضة). كما أعاد النادي في ديسمبر 2005 انتخاب القيادة الموالية للإصلاح. جعلت
هذه التحركات، مع ما تتمتع به السلطة القضائية تاريخيا من الاعتبار، من الحركة
أكثر قوى الإصلاح في مصر احتراما. ويتبنى قضيتهم الإخوان المسلمون والأحزاب
السياسية ونقابة المحامين وغيرها من جماعات المجتمع المدني، إضافة إلى كثير من
الصحافيين البارزين. كما أن نشاط نادي القضاة حرك تموجات من الاعتراض داخل نقابات
مهنية أخرى تسعى إلى الانعتاق من سيطرة الدولة.
مع
ذلك، لم يحصل القضاة بعد على أي تنازلات من الحكومة ما يرجع أساسا إلى مواضع ضعف
في حركتهم. فليس هناك عمل على قانون جديد (هناك مشروع قانون منذ 1991)؛ ولم يستطع
النادي إجبار المجلس الأعلى للقضاء ( الذي عليه أن يراجع مشروع القانون قبل إرساله
إلى البرلمان) على الموافقة على مطالب النادي أو حتى أن يصدر رأيه في التشريع. في
النهاية تراجع النادي عن تهديده برفض الإشراف على عملية الاقتراع، ما حرم الحركة
من ورقة مساومة رئيسية. قبل انتخابات سبتمبر الرئاسية، استبعدت "لجنة الانتخابات
الرئاسية"، تحت ضغط من وزارة العدل، حوالي 1000 قاضٍ ( يقال إنهم من اعتبروا
أنصارا للإصلاح) من ترؤس مراكز اقتراع. مع حلول الانتخابات البرلمانية بعد شهر من
ذلك، أعرب القضاة من المراتب الدنيا، خوفا من إدراجهم على قائمة سوداء في الوزارة،
عن استعدادهم للقيام بواجباتهم الانتخابية. ولم تتحقق التهديدات بإضراب وطني
للمحاكم، بسبب اعتقاد كثير من رجال قضاء أنه يجدر بهم الابتعاد عن السياسة.
تعوق
التشققات داخل الجسم القضائي التعبئة الضرورية للضغط على الحكومة حقا. فمعظم قضاة
مصر الـ8.000 يؤيدون جدول العمال الإصلاحي، لكنهم أساسا موظفو حكومة مخلصون، ما
يترك مئات فقط من الناشطين الحقيقيين. تعزز الحكومة مثل هذه الانقسامات بموقفها
الرسمي القائل إن النزاع هو ببساطة نزاع داخلي بين نادي القضاة والمجلس الأعلى
للقضاء. وربما تكون الجماعات الخارجية صالحة للاعتماد عليها بقدر كافٍ كحلفاء
يضغطون ضغطا قويا من أجل الإصلاحات، خصوصا تلك الأهم بالنسبة للقضاة العاديين. على
سبيل المثال، رغم التأييد الصاخب للقضاة الإصلاحيين من جانب أعضاء بارزين في نقابة
المحامين، تجاهلت النقابة المشكلة الشائعة لاعتداء المحامين على القضاة في قاعات
المحاكم. في الحقيقة، كان الغضب من هجوم على قاضٍ في الإسكندرية في أبريل الماضي
هو ما دفع قضاة كُثر إلى الاصطفاف من أجل الإصلاح.
كما
أن حماس الإعلام لقضية القضاة قد يكون سطحيا. فكثير من الصحف تواصل نشر مقالات
تشعل الشعور العام حول الإدانة أو البراءة في قضايا معروضة وتكشف عن معلومات سرية
تخص المحاكم، وترفض نقابة الصحفيين معاقبة هذه الانتهاكات للأخلاق والقانون، التي
تعقِّد بشدة العمل اليومي للقضاة. يثير هذا الاضطهاد للسلطة القضائية القلق من أن
الائتلاف الذي يبدو داعما للقضاة قد يكون في الحقيقة مجموعة من الجماعات المعادية
لنظام الحكم أكثر من كونها حركة حقيقية من أجل استقلال القضاء وكرامته وحكم
القانون. إذا صح هذا القلق، سيكون على القضاة النشطاء الشجعان أن يقاتلوا الدولة
منفردين، معززين السلطة التنفيذية باعتبارها الحَكَم النهائي في مجتمع سياسي ضعيف
ومنقسم.
آيمي
هوثورن مدير مركز هولينغ للحوار الدولي وهشام نصر يُكمل رسالته للدكتوراه في
القانون.
عودة
إلى محتويات
سورية:
إصلاح الإعلام ونواقصه
مروان
م. كريدي
يعاني
قطاع الإعلام السوري من الفصام. فمن ناحية، تعتبر المسلسلات التلفزيونية السورية
الأفضل في العالم العربي وتتنافس رأسا لرأس مع نظيراتها المصرية الشهيرة. من
الناحية الأخرى، تتقلب البرامج الإخبارية وبرامج الشؤون العامة في أزمة ممتدة يزيد
من حدتها سياق جغرافي سياسي متزايد العداء والحرب الإعلامية السورية اللبنانية
التي اندلعت بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. دفع خبر أن
قليلين من السوريين يشاهدون أخبار تلفزيون الدولة، بالكاتب السوري أنور القاسم إلى
أن يعلق في صحيفة القدس العربي بأنه يبدو أن شعار التلفزيون السوري هو "لا أرى، لا
أسمع، لا أتكلم". دفعت التحديات الخارجية وخسارة الجمهور إلى محاولات إصلاح
الإعلام السوري، التي تركز على كل من بنيان القطاع ومظهر شاشة التلفزيون السوري.
السؤال الآن هو إذا كان المسؤولون السوريون سيطبقون على الأخبار السياسات التي
أنتجت دراما تلفزيونية ناجحة.
الدراما
التلفزيونية السورية قصة نجاح مذهلة. فمنذ ثمانينات القرن الماضي قدم تلفزيون
الدولة السوري ما لديه من مرافق الإنتاج إلى مخرجي القطاع الخاص مقابل حقوق العرض
الأول. جذب هذا مخرجي الأفلام وكتابها الذين قاد تعليمهم في السينما الواقعية
السوفييتية إلى أعمال فيديو مذهلة وحوار متماسك ومعالجة آسرة للموضوعات التاريخية.
اجتذب هذا بدوره مبرمجي التلفزيون الخليجيين، الذين ملأوا برامجهم لشهر رمضان
بالدراما السورية. جرّأت الأرباح المتزايدة واعتراف الصناعة على تناول مسائل
خلافية معاصرة مثل الإرهاب والإيدز. هز هذا النجاح صناعة التلفزيون المصرية لكنه
أيضا دفع ببعض الشخصيات المرموقة مثل أسامة أنور عكاشة، أبرز كتاب ومخرجي الدراما
المصريين، إلى التعاون مع الممثلين والمخرجين السوريين.
لأن
المسؤولين السوريين كانوا إما مترددين أو غير قادرين على أن يطبقوا على الأخبار
والشؤون الجارية دروس قطاع الدراما، فإن الأخبار السورية متأخرة كثيرا. في أعقاب
اغتيال الحريري في فبراير 2005، اتهمت شبكات التلفزيون اللبنانية مثل "المؤسسة
اللبنانية للإرسال" و"تلفزيون المستقبل" سورية بدور في اغتيال الحريري. وبالإضافة
إلى المركز المتقدم للمحطات الأرضية لكل من المؤسسة اللبنانية للإرسال وتلفزيون
المستقبل في المشهد التلفزيوني في لبنان، فإن لهما قنوات فضائية ذات نفوذ لها
وجمهور كبير من السوريين والعرب. التلفزيون السوري، بجمهوره الصغير، ليس ندا.
بينما انجذب السوريون، مثل معظم المشاهدين العرب إلى برامج المؤسسة اللبنانية
للإرسال الترفيهية، كانوا مدركين لسياستها المعادية تاريخيا لسورية. جاءت المفاجأة
من تلفزيون المستقبل، الذي تحول خطه التحريري الذي كان حتى ذلك الحين مراعيا
لسورية، إلى العداء في أعقاب الاغتيال. ففي نشراته الإخبارية وبرامجه الحوارية
وأشرطته الموسيقية الوطنية وتقريبا البرامج الأخرى كلها، أصبح تلفزيون المستقبل
ناقدا متفرغا للنظام السوري. هادما إرساله الأرضي والفضائي ليصبح بلا مواربة
"تلفزيون الحريري". فلا غرابة إذن في أن الصحف تحدثت عن "طلاق" بين تليفزيون
المستقبل والجمهور السوري.
استجابة
لتلك التطورات، أعلن المسؤولون السوريون "خطة شاملة لتحديث العمل الإعلامي"، ذكرت
في القرار النهائي لمؤتمر حزب البعث في الصيف. قبل المؤتمر، صرح وزير الإعلام
آنذاك مهدي دخل الله (صحافي سابق) أن الصحف السورية "لا تُقرأ"، وضغط على مدير
الرقابة كي يستقيل، ودعا الصحافيين إلى الإصرار على "حرية التعبير" وأن يتخلوا عن
"لغة المواجهة". وأعلن دخل الله أن الإعلام السوري في حالة انتقال من "الإعلام
الإداري" إلى "إعلام ذي هدف".
تشمل
الإصلاحات الهيكلية في الخطة إنشاء مدينة إعلام سورية في ضواحي دمشق، والسماح
بقنوات تلفزيونية فضائية خاصة تعمل ضمن قيود، والسماح بمحطات إذاعة
FM
خاصة، وتعيين عدد متزايد من النساء في مراكز رئيسية في القطاع. وأعلنت مدير
التلفزيون السوري التي عُيّنت حديثا ديانا جبور (امرأة مسيحية ليست عضوا في حزب
البعث)، أن مهمتها أن "تجعل الشاشة جسرا بين المواطنين والدولة". واشتملت الخطوات
الأكثر جرأة السماح بوجود محدود ومحكوم للكتاب السوريين المعارضين في الصحف
الرسمية (الكتاب الذين ينتقدون الفساد وليس النظام أو العسكريين أو أجهزة
المخابرات).
بينما
يبدو أن الإصلاح الهيكلي يكسب قوة دفع، كانت جهود تحسين صورة الشاشة تجميلية في
معظمها. ففي مارس، تلقى موظفو المؤسسة السورية للإذاعة والتلفزيون مذكرة تفصّل
"المقاييس الدولية" لمظهر مديري البرامج، والضيوف والمقدمين. وإلى جانب حظر
التجميل القوي للنساء، نصت التوجيهات على أن وزن مديري البرامج التلفزيونية لا
يجوز أن يزيد عن الرقمين الأخيرين من طولهم، وعلى ذلك فإن مقدم نشرة أخبار طوله
160 سنتيمترا لا يجوز أن يزيد وزنه عن 60 كيلوغراما. من المشكوك فيه أن يدوم العمل
بمثل هذه التغييرات، حيث يبدو أنها مستوحاة من قنوات التلفزيون اللبنانية
(المعروفة باستخدام النساء كعوامل جذب بصرية) أكثر مما هي مستوحاة من تجربة
الدراما التلفزيونية السورية، التي يقوم نجاحها على التجديد الفني والسياسي.
مروان
م. كريدي أستاذ مساعد للعلاقات الدولية والاتصال الدولي في الجامعة الأمريكية في
واشنطن، وباحث في مركز وودرو ويلسون الدولي للأكاديميين في واشنطن. وهو يكتب كتابا
عن التأثير الاجتماعي والسياسي لتيفزيون الواقع العربي.
عودة
إلى محتويات
دول
الخليج:الأهداف الحقيقية لإصلاح التعليم
ابتسام الكتبي
يعد
الحديث عن تدهور أحوال التعليم في المنطقة العربية فيما يتعلق بتردي نوعية التعليم
وتدني مستوى التحصيل المعرفي والبعد عن تحقيق التنمية أحد أهم نقاط الهجوم التي
تشنها الدول الغربية في تشخيصها للواقع التربوي العربي. ويشير التركيز الأساسي
لمبادرات الإصلاح الخارجية إلى ما يعانيه التعليم العربي من افتقاد لأبسط المهارات
الفنية التي تعتمد على إعمال العقل والفكر ومن ضعف القدرات التحليلية والابتكارية
إضافة إلى عدم قدرة على مواكبة الثورة التكنولوجية المعرفية،مما يؤدي إلى خلق
عقليات جامدة متقولبة ترفض الحوار والنقاش وتسعى لفرض قيمها وارثها الثقافي على
الآخرين.
وعلى
الرغم من أن
الموقف
المعلن والمصرح به من قبل النظم السياسية الخليجية يرفض فكرة الإصلاح
المفروض من الخارج إلا أن هذا يقابله استجابة سريعة لقبول تلك
الإصلاحات في أكثر المجالات
حساسية
وخطورة وهو مجال "التعليم" فما تم الشروع فيه فعليا وما يتم التحضير له من
تعديلات في مضامين المناهج التعليمية في منطقة الخليج العربي يرسم الصورة
المستقبلية
لما يجب أن تكون عليه ذهنية الجيل القادم.
ويعد
التحول إلى اعتماد اللغة
الإنجليزية
كمدخل للإصلاح في مرحلة التعليم العالي أحد الموضوعات المطروحة بدرجات
متفاوتة من القوة في دول الخليج. وعلى
الرغم من مطلقاته التي قد يكون بعضها إيجابياً، يحمل التحول إلى
استخدام
اللغة
الإنجليزية - في تدريس التخصصات الاجتماعية وأيضا الإنسانية لطلاب وطالبات
لا
يجيدون هذه اللغة بالدرجة المطلوبة - مضامين تعليمية عميقة،
خاصة في ما يتعلق
بالأبعاد
الإشكالية المصاحبة للتطبيق الفعلي.
أولاها،
من الصعب أن
يتحمس
الطلبة للفكرة القائلة إنه يتعين عليهم دراسة عدد كبير من المساقات الجامعية
باللغة الإنجليزية، بينما يدركون وفقا لتقييمهم الذاتي والموضوعي أن
قدرات ومهارات
القراءة
والكتابة والمحادثة والاستيعاب التي يمتلكونها في هذه اللغة الأجنبية لا
تساعدهم على مواجهة متطلبات فهم المواد الاجتماعية وكذلك الإنسانية،
التي
تعتمد بدورها على الشرح المستفيض والنصوص المطولة والتراكيب
التعبيرية
المتقدمة من أجل عرض المفاهيم والنظريات والمعلومات والجدليات التي تشكل
المعارف المقدمة للطلبة.
ثانيتها،
سوف يظل التساؤل حول جدوى الدراسة
بلغة
أجنبية يراود أذهان الطلبة، وبشكل دائم وملحّ، وذلك في كل مرة يواجهون أثناءها
عقبات أو صعوبات دراسية أو تعليمية تعود أسبابها إلى ضعف الاستعداد
اللغوي لديهم
أساسا
وليس إلى مقدار الذكاء أو قوة الدافع أو كمية الاجتهاد الذي يبذلونه في