تصدر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي - ترجمة دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر

Published by Carnegie Endowment for International Peace - Translated by Dar Al-Watan for Journalism, Printing & Publishing

نوفمبر  2004، المجلد 2، العدد 10
أيمي هاثورن، المحررة
جوليا شقير، مساعدة بحث

في هذا العدد

أضواء وتحليلات

قيمة تأجيل الانتخابات العراقية  بقلم:
رعد القادري
بعد عرفات: رؤية من غزة  بقلم:
مخيمر أبو سعدة
الحال الحزين للإصلاح السياسي في تونس  بقلم:
جون إنتيليس
مصر: حدود إصلاح الحزب الحاكم  بقلم:
عمرو حمزاوي
البرلمانات في ممالك الخليج: بعيدة جدا عن الديموقراطية  بقلم:
مايكل هيرب

أخبار وآراء

بدء تسجيل الناخبين في العراق
قائد جديد للإمارات
تصاعد التوترات في البحرين
الترخيص لحزب جديد في مصر
صحافي مصري معارض يتعرض للهجوم
هل يضع الأردن الإصلاحات السياسية في أدنى الأولويات؟
حقوق النساء على جدول الأعمال في الكويت
التغيير الحكومي في لبنان
المغرب ينظر في قانون جديد للأحزاب
تقرير ينتقد سجل المغرب في حقوق الإنسان
آراء من الصحافة العربية حول الانتخابات الامريكية وفلسطين بعد عرفات والفلوجة

إقرأ

كتابات جديدة حول التطور الديموقراطي في العراق وفلسطين ومصر؛ إصلاح ما بعد 11 سبتمبر يختمر في المنطقة؛ الإسلام والديموقراطية؛ المؤسسات العسكرية العربية والاقتصادات السياسية. وجهد الولايات المتحدة لترويج الديموقراطية.


أضواء وتحليلات

قيمة تأجيل الانتخابات العراقية

بقلم:
رعد القادري

لايقتصر حافز الدفع الأمريكي من أجل انتخابات في العراق بحلول يوم 31 يناير2005 على الرغبة بالوفاء بموعد بارز على التقويم الانتقالي بعد الحرب. فكثير من كبار المسؤولين الأمريكيين يرون في الانتخابات أيضا دواءً حاسما لعدم الاستقرار المزمن في البلاد. تقوم هذه الرؤية على الاعتقاد بضمان مشاركة الجماعتين الشيعية والكردية في التصويت، وأن الحكومة التي ستنبثق عنه ستتمتع بتأييد 75 بالمائة على الأقل من العراقيين، ما يضفي عليها أعلى درجة من الشرعية حصلت عليها أي إدارة في تاريخ العراق الحديث، ما يسمح لها باتخاذ قرارات سياسية صعبة. إضافة إلى ذلك، تتوقع واشنطن أن الجماعتين العراقيتين اللتين عانتا الحرمان السياسي تقليديا ستتمتعان بتمثيل سياسي يتناسب وحجمهما.

مع ذلك، فإن منطق الولايات المتحدة معيب. فالاندفاع إلى الانتخابات على أساس هذه الرؤية يمكن في الحقيقة أن يزيد من عدم الاستقرار في العراق، بدلا من أن يقلل منه. أكثر المشاكل وضوحا هي أن المسؤولين الأمريكيين ما زالوا ينظرون إلى الحياة السياسية العراقية من خلال المنظور الضيق للطائفية والعرقية وما زالوا يعتنقون فكرة أن العراق خليط من ثلاث جماعات متجانسة في الأساس - الشيعة والسُنَّة والأكراد - وأن الطائفية والعرقية سيحددان أنماط التصويت. وقد دفع بهذه الرؤية أوثق حلفاء واشنطن من العراقيين، أحزاب المنفى السابقة التي هيمنت على "مجلس الحكم العراقي"، والتي تهيمن الآن على الحكومة المؤقتة.

لكن المسؤولين الأمريكيين نادرا ما يتساءلون -إذا كانوا يتساءلون- عن مدى تمثيل تلك الأحزاب وما يعتنقون من برامج. فاستطلاعات الرأي التي أجريت على مدى السنة الماضية تشير إلى أنه، خارج الشمال الكردي، حيث يتمتع الحزبان الكرديان الكبيران بتأييد عريض، ليس من يتمتع بقاعدة ذات مغزى سوى حزب الدعوة الشيعي. وأشار استطلاع رأي نظَّمه "المركز العراقي للإبحاث والدراسات الاستراتيجية" إلى أنه بينما يؤيد العراقيون عموما الانتخابات، فإن أكثر من 40 بالمائة من المشاركين يعتقدون أن غياب أحزاب سياسية "حقيقية" سيعوق العملية.

الحقيقة أنه توجد كتلة كبيرة -إن لم تكن أغلبية- من الناخبين العرب، تبقى علمانية ووطنية من حيث التوجه السياسي وتعارض البرامج الطائفية والعرقية للأحزاب الكبيرة، لكنها دون صوت علني فعال. دون مركبات سياسية تمثل آراء هؤلاء العراقيين، هناك خطر حقيقي من أنهم سيختارون البقاء خارج الانتخاب برمته، ما يعني أن السنة لن يكونوا وحدهم الذين يعتكفون عن العملية.

هذا سيناريو مقلق. حتى تتمتع حكومة منتخبة حديثا بشرعية حقيقية، سيحتاج العراقيون جميعا إلى الشعور أن لهم حصة فيها. على أي حال، فإن من شأن انتخابات يبدو أنها لا تفعل إلا تقوية هيمنة أحزاب مجلس الحكم العراقي السابق أن يؤدي إلي الأثر المعاكس؛ وهو ما يمكن أن يحدث إذا جرت الانتخابات قبل أن تتاح لأحزاب جديدة فرصة التنظيم وإذا واصلت واشنطن هندسة نجاح حلفائها في مجلس الحكم العراقي السابق. لقد وفرت مقاطعة القوميين والإسلاميين السُنة للمؤتمر الوطني العراقي في أغسطس الماضي سابقة مقلقة في هذا الشأن. إضافة إلى ذلك، أشارت تلك السابقة إلى أن تلك الجماعات شعرت أن إخراج ما اعتبرته انتقالا غير شرعي عن سكَّته، يخدم برامجها على نحو أفضل من استخدام العملية للسعي إلى أهدافها السياسية.

بل إنه حتى مقاطعة تقتصر على الإسلاميين السُنة والقوميين ستكون خطرة. فبعض المسؤولين الأمريكيين يعتنقون فكرة مضلَّلَة تقول إن الخطر الذي تمثله تلك المجموعات يمكن احتواؤه طالما كان الشيعة والأكراد مشاركين في العملية الانتقالية، وأنه في نهاية المطاف سيغرق مد الديموقراطية الصاعد والقوة العسكرية الأمريكية الكاسحة، الرافضين السُنة والقوميين (والتمرد). لكن هذا الرأي خاطئ: فإذا كان الاستقرار طويل الأمد هو الهدف، فإن الانتقال السياسي سيحتاج تأييدا من مختلف جماعات العراق. وبعد كل شيء، فإن النجاح السياسي لنظام التمثيل النسبي على أساس الدائرة الوطنية الواحدة - وهو النظام الذي اختارته الولايات المتحدة والأمم المتحدة للعراق- مؤسس على أن جماعات العراق كلها ستشارك في التصويت.

الأهم من ذلك، أن المهمة الرئيسية للحكومة الانتقالية المنتخبة هي كتابة دستور دائم يحدد الإطار السياسي لعراق جديد وحقوق شعبه. فإذا استُبعِد قسم ذي مغزى من السكان من عملية الصياغة، فمن غير المحتمل أن يقبل بشرعية الوثيقة الناتجة عنه. أما القول بأن الجماعات المقاطِعة هي التي تتخلى عن دورها في العملية ليس لها أن تلوم إلا نفسها، فذي قيمة محدودة. فمن الناحية العملية، يكتب مثل هذا الاستبعاد على العراق استمرار العنف وعدم الاستقرار، خصوصا إذا امتدت المقاطعة إلى خارج المثلث السُني.

وحكومة رئيس الوزراء إياد علاوي مع أجزاء من المجتمع الدولي تدرك هذا الخطر بوضوح، وهي منغمسة في مبادرات لكسب التأييد للانتخابات من ممثلي الإسلاميين السُنة والقوميين. من نواحٍ عديدة، يعتمد مصير الانتقال في العراق - وقدرة الحكومة على التغلب على التمرد - على نجاح تلك الجهود. ثمة حاجة إلى الإتيان بأكبر عدد ممكن من العراقيين إلى المشاركة، حتى لو كان تحقيق ذلك يعني تأخير الانتخابات مؤقتا وإعادة تقييم سياسات مثل نزع السمة البعثية وحل الجيش. دون ذلك، ستؤدي الانتخابات إلى زيادة حدة ما يحسه كثير من العراقيين من الحرمان السياسي منذ سقوط نظام صدام حسين، ما يخلق شوكة خطرة في خاصرة الإدارات العراقية المتعاقبة التي سيطعنون في شرعيتها.

** رعد القادري يعمل مديرا لمجموعة الأسواق والبلدان في شركة PFC Energy في العاصمة الأمريكية واشنطن. أمضى عشرة أشهر في بغداد كان أثناءها المستشار السياسي والسكرتير الخاص المساعد للممثلين الخاصين للمملكة المتحدة في العراق، سير جيريمي غرينستوك و ديفيد ريتشموند. الآراء الواردة هنا هي آراؤه الخاصة.

  عودة إلى المحتويات

 

بعد عرفات: رؤية من غزة

بقلم:
مخيمر أبو سعدة

الأمر الأكثر كآبة وتعقيدا من سبب وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات هو مسألة من سيملأ الفجوة السياسية الفاغرة التي نتجت عن رحيله. وقد كان عرفات وفيا لنزوعه إلى تجنب القرارات المحددة، فلم يعين خلفا له. وفور الإعلان عن وفاة عرفات في 11 نوفمبر، كان على القيادة الفلسطينية العليا - اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (م ت ف) واللجنة المركزية لفتح (كبرى فصائل "م ت ف" والحزب الحاكم في السلطة الفلسطينية)، والمجلس التشريعي الفلسطيني - أن تشكل قيادة مؤقتة تحكم حتى إجراء الانتخابات.

وقد تولى الحرس القديم المراكز التي كان يجمع بينها عرفات. وسيخلف محمود عباس (المعروف باسم "أبو مازن") وأحد مؤسسي "فتح" والأمين العام ل "م ت ف"، عرفات كرئيس لها. ويترأس أحمد قريع، عضو لجنة "فتح" المركزية، مجلس الأمن الوطني الذي يضم قادة أجهزة الأمن الـ 10 التابعة للسلطة الفلسطينية. كما اختير لمنصب الأمين العام للجنة "فتح" المركزية فاروق القدومي الذي عارض اتفاقات أوسلو للعام 1993 وما زال في المنفى في تونس. واختير لمركز الرئيس المؤقت للسلطة الفلسطينية رئيس المجلس التشريعي روحي فتوح، بناء على إلحاح اللجنة التي أصرت على التزام حكم القانون وسعت أيضا إلى إضعاف سلطة عباس. (يقضي القانون الفلسطيني بأنه في حالة موت الرئيس أو مرضه أو استقالته، يتولى رئيس المجلس التشريعي مسؤولياته لمدة ستين يوما حتى إجراء الانتخابات). كما سيواصل قريع عمله كرئيس للوزراء، وهو المنصب الذي يشغله منذ أكتوبر 2003.

فتوح شخصية مجهولة إلى حد ما ومؤهلاته الوطنية ضعيفة، والقدومي يعيش في الخارج. وبالتالي، فإن عباس وقريع هما اللذان سيتخذان القرارات في الفترة الانتقالية. وعباس هو المرشح الأرجح لخلافة عرفات كرئيس، حيث إنه يرأس الآن "م ت ف" أهم المؤسسات السياسية الفلسطينية. وقد تولى عباس، مهندس اتفاقات أوسلو، رئاسة الوزراء لمدة أربعة شهور في 2003، لكنه استقال بعد أن خسر صراعا على السلطة مع عرفات. ورغم أنه اكتسب قدرا من التأييد الشعبي بسبب دعواته لإصلاح المؤسسات الفلسطينية ولانتقاده الصريح لعسكرة الانتفاضة، فإنه يفتقر إلى الجاذبية الجماهيرية أو التأييد القوي داخل "فتح"، كما ينظر إليه بتشكك لاتجاهاته المعتدلة حيال إسرائيل. ولكي يكوِّن عباس قاعدة لسلطته، يحتاج إلى التحالف مع محمد دحلان، الرئيس السابق لقوة الأمن الوقائي في غزة ووزير الشؤون الأمنية في حكومة عباس. ويتمتع دحلان بنفوذ في غزة وله قاعدة سلطة داخل قوات الأمن وضمن "التنظيم"، جناح "فتح" العسكري.

أما قريع فخليفة أقل رجحانا. وهو حليف قديم لعرفات، وكان المفاوض الرئيسي في المحادثات السرية التي أدت إلى اتفاقات أوسلو. وهو مثل عباس من حيث الافتقار إلى الجاذبية الجماهيرية والتأييد الشعبي. وأثناء رئاسته للوزراء تدهور الوضع الأمني وظروف المعيشة في فلسطين.

حتى إذا انتخب عباس أو قريع، فإن مصدر شرعيتهما هو سابق قربهما من عرفات وليس صدقيتهما في الشارع. فإذا أُخذت هذه الحقيقة في الاعتبار، مع التفتت السياسي الشديد وما حدث أثناء سنوات الانتفاضة الأربع من إضعاف للمؤسسات، فإن فترة ما بعد عرفات قد تشهد ميلاد نظام برلماني حقيقي تتقاسم الحكم فيه جماعات متعددة. وقد يتزامن مثل هذا السيناريو مع قيادة الوحدة الوطنية التي تدفع مصر باتجاه إقامتها في غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي المرتقب في 2005. وستطلب "حماس" بالذات دورا رئيسيا في الحكم. إذ إن "حماس" التي لا تقف عند حد تقديم نفسها كشريك للسلطة الفلسطينية وليس كمنافس لها - آخر شعاراتها "شركاء الدم شركاء في القرار" - أوضحت أنها لن تتسامح مع الحكم الأوتوقراطي. مع ذلك، ففي ظل حكم جماعي من هذا القبيل، فإن الجماعات المسلحة - حماس والجهاد الإسلامي والأجهزة الأمنية والميليشيات التي تكاثرت في الأراضي الفلسطينية - قد تواجه السلطة كما قد تواجه بعضها بعضا.

بغض النظر عمن الذي سيخلف عرفات، ففي المدى القصير ثمة أمران مؤكدان. الأول، أن المشاكل الاجتماعية - الاقتصادية الممضَّة التي تواجه المجتمع الفلسطيني ستكون أكبر من قدرة القيادة الجديدة على حلها بسرعة. فالاقتصاد في أزمة عميقة: البطالة تتجاوز 50 بالمائة ويعيش 70 بالمائة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة تحت عتبة الفقر.

ثانيا، أن التنبؤات بأن وفاة عرفات ستؤدي إلى نهاية سريعة لدورة العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مبالغة في التفاؤل. فالفترة التالية مباشرة لعرفات قد تشهد إحباط جهود إحياء المفاوضات بفعل شلل هيكل اتخاذ القرار الفلسطيني وهو الثمن المحتمل للقيادة الجماعية. الأهم من ذلك، هو أن الحكومة الإسرائيلية تخطئ إن اعتقدت أن عباس أو قريع (أو أي قائد جديد آخر(سيكون قادرا على التوصل إلى اتفاق سلام ويحقق الأمن للإسرائيليين بشروط أقل مما طلب عرفات. وقد تثبت الفترة المقبلة أن عرفات، بعيوبه كلها، كان هو الاختيار الأفضل لإسرائيل لتحقيق السلام والأمن وإنهاء الصراع، لأنه كان يتمتع بالشرعية لفعل ذلك.

** مخيمر أبو سَعدة يقوم بتدريس العلوم السياسية بجامعة الأزهر في قطاع غزة.

  عودة إلى المحتويات

 

الحال الحزين للإصلاح السياسي في تونس

بقلم:
جون إنتيليس

لم يندهش أحد عندما خرج التونسيون يوم 24 أكتوبر، بأرقام قياسية - 91.5 بالمائة من تعداد الناخبين في البلاد البالغ 4.6 مليون - ليعيدوا انتخاب الرئيس زين العابدين بن علي لولاية رابعة على التتابع، مدتها خمس سنوات. كما منح الناخبون حزبه، التجمع الدستوري الديموقراطي، نصرا كاسحا في الانتخابات البرلمانية التي جرت في اليوم نفسه.

كانت نتائج الانتخابات مقررة سلفا عندما دفع ابن علي بتعديل دستوري، تم إقراره في استفتاء كاسح في مايو 2002، استأصل حد الولايات الثلاث للرؤساء. عن قصد أو غير قصد، يبدو أن ابن علي يتبع خطى سلفه، الحبيب بورقيبة، الذي أطيح به في "انقلاب دستوري" يوم 7 نوفمبر 1987، كان، جزئيا، ردا على تعيين بورقيبة نفسه "رئيسا مدى الحياة".

في السنوات الـ 15 الأخيرة، انطفأ تقريبا التفاؤل المبكر، بأن مرحلة ما بعد بورقيبة ستشهد وصول التعددية السياسية، إن لم تكن الديموقراطية، حيث هيمن الرئيس وحزبه الحاكم على المشهد السياسي واستأصلوا مصادر المعارضة جميعا ،العلمانية منها والدينية. المؤكد أن النظام حقق نجاحا كبيرا في انتهاج سياسات اجتماعية تقدمية فيما يتعلق بحقوق النساء وفي دفع النمو الاقتصادي - فحوالي 70 بالمائة من الأسر التونسية تملك بيوتها وتزيد حصة الفرد من الناتج القومي الإجمالي على 3500 دولار أمريكي. لكن هذا النجاح أضاف ببساطة إلى خاصية انعدام الاستمرارية التي تحدد المفارقة التونسية التي يتعايش فيها تحسن مستوى المعيشة مع سلطوية سياسية فظة.

عمد النظام، جزئيا لكي يعوِّض عن صورة سياسية سلبية لدى حلفائه الأجانب والمستثمرين، الراهنين والمحتملين، على تبني شبه ديموقراطية بالغة الشفافية تقوم على تعددية سياسية محكومة ونتائج انتخابية مقررة سلفا. وما انتخابات أكتوبر 2004، إلا آخر مظاهر هذه الحيلة السياسية.

وقد سمح ابن علي لثلاثة مرشحين لا يهددونه بالمنافسة في إعادة انتخابه، مقارنة باثنين عام 1999 ولا أحد في 1989 و1994؛ وذلك بقصد ترسيخ "مؤهلاته" الديموقراطية لدى شعبه وعند أنصاره في أوروبا والولايات المتحدة. ولم يعترض على النتائج من بين هؤلاء المنافسين سوى محمد علي حلواني، رئيس حزب التجديد (شيوعي سابق)، الذي خاض الانتخابات كممثل لكتلة من السياسيين المستقلين تحت لافتة "المبادرة الديموقراطية"، وذلك بعد أن حصل على 0.95 بالمائة من الأصوات. وحصل محمد بوشيحا، الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية، على 3.78 بالمائة من الأصوات ؛ وهو، بالصدفة، من أقارب زوجة ابن علي، بينما حصل منير بيجي من الحزب الاجتماعي الليبرالي على 0.79 بالمائة.

ليس لأحد من هؤلاء المرشحين الذين أقرَّتهم الحكومة أي تأييد سياسي ذي مغزى، كما أنهم لا يتحدَّون شخصية الرئيس ولا سياساته. وفي نظر أنصار النظام، فإن الانتصار "المتواضع" الذي حققه الرئيس ب 94.48 بالمائة من الأصوات، متراجعا عن 99.7 بالمائة و 99.6 بالمائة و 99.4 بالمائة في 1989 و 1994 و 1999 على التوالي، يظهر الطبيعة التنافسية للانتخابات الرئاسية.

وقد توازت نتيجة الانتخابات البرلمانية مع نظيرتها الرئاسية. يُلزِم الدستور بحجز أربعة أخماس المقاعد البرلمانية للحزب الحاكم بينما تتنافس على الـ 20 بالمائة الباقية أحزاب المعارضة السبعة التي أقرتها الحكومة. وهكذا، فمن بين 189 مقعدا في البرلمان ذي الغرفة الواحدة، حصل "التجمع الدستوري الديموقراطي" على 152 مقعدا، ووزعت الـ 37 مقعدا الباقية بين الحركة الاجتماعية الديموقراطية وحزب الوحدة الشعبية والاتحاد الديموقراطي الوحدوي وحزب التجديد والحزب الاجتماعي الليبرالي.

ويفاخر الحزب الحاكم، على وجه الخصوص، بالتزامه ضمان أن يكون 25 بالمائة على الأقل من مرشحيه من النساء. وقد حصلت نساء التجمع الدستوري الديموقراطي على 39 مقعدا، مقارنة بـ 20 مقعدا في البرلمان السابق. وإجمالا، يضم البرلمان الذي انتخب مؤخرا 43 امرأة من بين 189 عضوا، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم. مع ذلك، فمن سوء حظ المشرعين، ذكورا وإناثا، أن مجلس النواب يلعب دورا هامشيا وأن نفوذه على السياسات القومية طفيف.

ولا يتحدى أي من الأحزاب الممثلة في البرلمان هيمنة النظام ولا السلطة المطلقة للرئاسة. أما المعارضة "الحقيقية" فممنوعة أو مسجونة أو مضطهدة. وهي تشمل حزب "النهضة" الإسلامي الذي ما زال يتمتع بشعبية، والذي يرأسه راشد الغنوشي الذي يعيش في منفى اختياري في لندن. وقد اعترضت على الطبيعة التحكمية الفاقعة للعملية السياسية، شخصيات علمانية تمثل قوسا عريضا من الاتجاهات السياسية، من الديموقراطيين الليبراليين (المنصف المرزوقي) إلى الشيوعيين ( حمَّا حمّامي) إلى الاشتراكيين التقدميين (نجيب الشابي). وقد انضم إليهم في إدانة الطبيعة القمعية للحياة السياسية - حيث يخضع الإعلام لسيطرة محكمة، والإنترنت للمراقبة، وحرية التعبير السياسي محظورة تقريبا - صحافيون جريئون ونشطاء في مجال حقوق الإنسان ومحامون وغيرهم من الشخصيات العامة. ويعكس وصف المرزوقي لسياسة ابن علي بدقة رؤية تلك المجموعات وغيرها من ذوات التوجه الديموقراطي، لسياسة ابن علي ذات الرؤوس الثلاثة : "البقاء في السلطة إلى أجل غير محدود، البقاء في السلطة إلى أجل غير محدود، البقاء في السلطة إلى أجل غير محدود".

جون ب. إنتيليس أستاذ للعلوم السياسية ومدير برنامج دراسات الشرق الأوسط بجامعة فوردهام، ومحرر "مجلة دراسات شمال أفريقيا - Journal of North African Studies ".

  عودة إلى المحتويات

 

مصر: حدود إصلاح الحزب الحاكم

بقلم:
عمرو حمزاوي

في 2002 بدأ الحزب الوطني الديموقراطي الحاكم في مصر، جهدا ليقدم عن نفسه صورة جديدة إصلاحية. كانت المطالبات بالمحاسبة السياسية والظروف الاجتماعية - الاقتصادية المتدهورة والسخط الشعبي على أداء الحكومات التي يقودها الحزب، قد أجبرته على إعادة النظر في صورته العامة. كما لعب دورا في هذا الشأن تزايد ميل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى الضغط على مصر من أجل الإصلاح السياسي. مع ذلك، يبدو أن أهم العوامل كان القلق على مستقبل الحزب بعد أن لا يعود الرئيس المصري المُسن في السلطة.

في العامين الأخيرين حُقِن في الحزب الذي هيمنت عليه لوقت طويل شخصيات أكبر سنا، كادر من التكنوقراط الأصغر سنا - مهنيون ورجال أعمال وأساتذة جامعات - في منتصف طريقهم المهني. ويرتبط هذا "الحرس الشباب" الذي يجيد لغة الحديث عن سلامة الحكم وحقوق الإنسان، ارتباطا وثيقا مع نجل الرئيس مبارك، جمال، الذي يبلغ 41 عاما. وقد تولى جمال نفسه دورا متزايد البروز في الحزب، رئيسا لـ "اللجنة العليا للسياسات" المستجدة. وهذه الهيئة هي المركبة التي صاغ عليها الحرس الشباب البرنامج الحالي للحزب للإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وشعارات مثل "فلنصلح بيتنا أولا" و "حقوق المواطنين أولا". كما أعاد الحزب الوطني الديموقراطي بناء هيكله الداخلي بإدخال الانتخابات الأولية للمناصب القيادية وبإنشاء لجان متخصصة للسياسات وبعقد مؤتمر سنوي.

أدت تلك التحركات الجديدة ببعض المصريين إلى أن يتوقعوا أن الحزب موشك على تغيير جذري في أعماله الداخلية وتوجهه السياسي الخارجي. لكن يبدو أن هذه الآمال تذهب أدراج الرياح. فقد تبين أن البرنامج الإصلاحي للحزب الوطني الديموقراطي أجوف وفي تناقض صارخ مع مطالب القوى السياسية في البلاد. وقد أصبحت الحدود الهيكلية لتناول الحزب الوطني الديموقراطي للإصلاح، واضحة.

على سبيل المثال، يتجاهل الحزب الوطني الديموقراطي التوافق الواسع القائم خارج دوائره الضيقة، حول الخطوات المطلوبة لتحويل حلم التحول الديموقراطي في مصر إلى حقيقة : السماح بانتخابات رئاسية مباشرة ووضع حد للولايات والسلطات الرئاسية، وخفض القيود على الأحزاب وجماعات المجتمع المدني. فكما توضح الأوراق التي تبناها الحزب الوطني الديموقراطي في مؤتمره في سبتمبر 2004، لا ينوي الحزب الاقتراب من تلك الإجراءات.

على أي حال، ما يدعو إلى القلق أكثر من ذلك، هو ارتداد الحزب في كل من خطابه العام وفي وصفاته السياسية المعينة إلى المقولة المهترئة حول أسبقية الإصلاح الاقتصادي على الإصلاح السياسي. وبتأكيد الحزب في 2004 على أسبقية التحديث الاقتصادي، فإنه يردد أصداء النداءات التي عفا عليها الزمن للتحرير الاقتصادي والتعددية المقيَّدة التي هيمنت على الخطاب الرسمي في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته. فالآن، مثلما حدث حينذاك، بعدما عين الحزب نفسه مفسرا وممثلا شرعيا للاحتياجات "الحقيقية" للمصريين -الخبز وليس حرية الاجتماع- فقد أعلن نفسه نصيرا للمطالب الشعبية. وفي الحقيقة، كثيرا ما يبدو أن الفرق الوحيد بين موقف الحزب الآن وحينذاك هو أن لدى استراتيجيي الحزب الشبان بعض الإدراك للحاجة إلى الإصلاح السياسي في المدى البعيد جدا.

النتيجة الوحيدة المحتملة لتناول الحزب الوطني الديموقراطي القائم على "التحول الديموقراطي في دفقات عرَضية"، هي تأخير الإصلاحات السياسية الحيوية. في تلك الأثناء، سيرفض الحزب الوطني الديموقراطي الانتقادات لالتزامه المزيف بالإصلاح أو صياغة آراء بديلة عن مستقبل مصر، باعتبارها دعوات مثقفين معزولين لا يفهمون حقيقة ما تريده الجماهير، أو أن ترفضها باعتبارها مطالب الإسلاميين الذين يريدون ببساطة الاستيلاء على السلطة.

ويدافع الحزب الوطني الديموقراطي عن تناوله بتقديم فكرة ذات حدين: الخصوصية المصرية والاستثناء الإقليمي. فمن ناحية، تزعم شخصيات الحزب القيادية أن "طريقا مصريا" خاصا إلى الديموقراطية يتكون من خطوات متدرجة جدا، هو ما يحتاجه مجتمع مصر العربي المسلم. لكن ذلك التدرج دون صياغة واضحة وراسخة لاختراقات من قبيل تعديل الدستور وفتح المجال السياسي أمام أحزاب جديدة، يعادل دفاعا فاسدا وتبريريا عن السلطوية. من الناحية الأخرى، يرفع الحزب الوطني الديموقراطي راية عدم الاستقرار الإقليمي ليدحض الدعوات إلى إصلاحات سياسية أعمق، باعتبارها كلاما غير مسؤول قد يعرِّض أمن مصر للخطر. ومنذ انهيار نظام صدام حسين في أبريل 2003 وتصاعد العنف في العراق، أخذ الحزب الوطني الديموقراطي يلعب لعبة بائسة تقوم على تخويف المصريين بالإشارة إلى أن "التغيير غير المحكوم" -بمعنى التغيير الذي لا يتحكم فيه الحزب الحاكم- سيؤدي إلى فوضي مثل التي تجتاح العراق الآن.

يتميز المناخ السياسي في مصر باستقطاب متزايد بين الحزب الوطني الديموقراطي وأحزاب المعارضة وحركات المجتمع المدني. فالسياسة التي تبنتها النخب الحاكمة منذ ثلاثة &#