تصدر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي - ترجمة دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر

Published by Carnegie Endowment for International Peace - Translated by Dar Al-Watan for Journalism, Printing & Publishing

سبتمبر  2004، المجلد 2، العدد 8
أيمي هاثورن، المحررة
جوليا شقير، مساعدة بحث

في هذا العدد

أضواء وتحليلات

الغليان في غزة يجدد المطالبات بالإصلاح الفلسطيني  بقلم:
خليل الشقاقي
تقييم المؤتمر الوطني العراقي  بقلم:
كاثلين ريدولفو
النظام الانتخابي العراقي: استراتيجية ضالة  بقلم:
مايكل روبين
النظام الانتخابي العراقي: استراتيجية للاستيعاب  بقلم:
جيف فيشر
تحدي تنفيذ قانون الأحوال الشخصية المغربي  بقلم:
ستيفاني ويليام بوردات وسعيدة كوزي

أخبار وآراء

لبنان يمدد ولاية الرئيس
غليان الإصلاح في الأراضي الفلسطينية
العربية السعودية: انتخابات، وإصلاحيون في المحكمة
إصلاحات سياسية مصرية؟
توقعات بأن يكتسح الحزب الحاكم الانتخابات التونسية
الكويت ترخِّص لأول منظمة لحقوق الإنسان
قواعد للسلوك للإعلام العربي
دراسة عن النساء في البرلمانات العربية
آراء من الصحافة العربية

إقرأ



أضواء وتحليلات

الغليان في غزة يجدد المطالبات بالإصلاح الفلسطيني

بقلم:
خليل الشقاقي

إن تفجر العنف الشعبي ضد مسؤولي السلطة الفلسطينية في قطاع غزة في يوليو يعكس سخطا شعبيا على السلطة الفلسطينية، وصراعا على السلطة بين " الحرس الشباب " من الوطنيين ومنافسيهم من "الحرس القديم" الذين يسيطرون على القيادة الفلسطينية. فقد قاد أعضاء "الحرس الشباب " الساعون إلى كسب دور قيادي في غزة بعد انسحاب إسرائيل المرتقب عام 2005، دفعا من أجل الإصلاح بغرض إضعاف سيطرة الحرس القديم.

ويحاول كل من رئيس الوزراء أحمد قريع والمجلس التشريعي الفلسطيني استثمار الغليان للدفع ببرنامجه الإصلاحي. ويدعو الإصلاحيون معا إلى تقوية مؤسسات السلطة الفلسطينية، وتأكيد صدارة الدستور المؤقت، أو القانون الأساسي، والتعجيل بالانتخابات داخل فتح، كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى المستويات المحلية والوطنية. كما يطالب الإصلاحيون باستبدال كثير من الموالين للرئيس ياسر عرفات من عناصر أجهزة الأمن والبيروقراطيين بأعضاء من الحرس الشباب. ويدرك الحرس الشباب أن عرفات سيفعل كل ما في وسعه لعرقلة برنامجهم. مع ذلك فإن الحماس الشعبي غير المسبوق للتغيير الديموقراطي قد شجع الإصلاحيين على الخروج إلى العلن، حتى إذا كان هذا يعني مواجهة مباشرة مع الرجل الذي يرمز إلى أمانيهم الوطنية.

ترجع المطالبات المنظمة بالإصلاح في النظام السياسي الفلسطيني إلى عام 1997، عندما أصدرت لجنة من المجلس التشريعي الفلسطيني تقريرا ينتقد الفساد وسوء الإدارة بين أقرب المقربين إلى عرفات في السلطة الفلسطينية. فالانتفاضة الجارية التي اندلعت في سبتمبر 2000، جزئيا على يد الإصلاحيين الشباب، أطلقت تغييرات اجتماعية سياسية أدت بالحرس الجديد وأنصارهم في مخيمات اللاجئين والمناطق الحضرية الفقيرة، إلى القلق من فساد السلطة وشللها وافتقارها إلى الشرعية الشعبية. وشارك قسم كبير من الطبقة الوسطى أيضا في تلك الإحباطات. وقد اضطر عرفات إلى الموافقة، على مضض، على بعض التغييرات تحت ضغط كبرى الحملات من أجل الإصلاح، التي فجرها الأداء الواهن لمؤسسات السلطة الفلسطينية أثناء عودة إسرائيل إلى احتلال مدن الضفة الغربية في مارس - إبريل 2002. فبعد الاختراق بوقت قصير وقَّع على القانون الأساسي ( الذي كان المجلس التشريعي الفلسطيني أقرَّه عام 1997 )، كما وافق على توحيد الماليات الوطنية في حساب يسيطر عليه وزير جديد للمالية، وحدد موعدا للانتخابات الوطنية.

أدى إعلان إدارة بوش في يونيو 2002 عن سياستها لتغيير نظام الحكم الفلسطيني والحصار الإسرائيلي على عرفات بعد بضعة أشهر، إلى الإساءة إلى برنامج الإصلاح بربطه بالمطالبات الأمريكية والإسرائيلية. وقد شجع الضغط السياسي والعسكري الخارجي عرفات وأضعف الدعوات إلى الإصلاح، لأنه لا أحد من الإصلاحيين الوطنيين من الحرس الشباب يريد الربط بينه وبين بوش وشارون.

في مارس 2003 بدأت مرحلة جديدة انطلاقا من الجهد الدولي للدفع نحو تنفيذ "خريطة الطريق" إلى السلام، التي تدعمها الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا. وتقيم الخطة ربطا صريحا بين الإصلاح الفلسطيني والتقدم في عملية السلام. وأدى تضافر ضغوط دولية وداخلية بالمجلس التشريعي الفلسطيني إلى الموافقة على تعديلات في القانون الأساسي نقلت معظم السلطات الإدارية والمالية والأمنية من الرئيس إلى مجلس الوزراء وأدخلت منصب رئيس الوزراء. وقد فشل محمود عباس، الذي عيِّن في المنصب في مايو 2003، في تحويل تلك التعديلات إلى تغيير حقيقي. وقد أضعف عرفات والموالون له سلطته واغتصبوا الكثير من صلاحياته الدستورية. أما عباس وهو من الحرس القديم ويتميز بالضعف، فلم يستطع أن يكسب من التأييد الشعبي ما يكفي للنجاح في تحدي عرفات. ولكي يفعل ذلك، كان عليه أن يفعل ما لم يستطع عرفات فعله في عملية السلام. كما أدى قصور إسرائيل عن اتخاذ خطوات من شأنها تقوية عباس - إزالة نقاط التفتيش وإطلاق سراح السجناء وتجميد توسيع المستوطنات وإنهاء احتلالها لمدن الضفة الغربية - وقصور الولايات المتحدة عن دفع إسرائيل إلى اتخاذ تلك المخاطرات، إلى حرمان عباس من فرصة بناء صدقية داخلية ودفع الإصلاح إلى الأمام. فاستقال عباس بعد أربعة أشهر وتجمدت الإصلاحات وتأجلت الانتخابات.

يحاول المجلس التشريعي الفلسطيني البناء على التأييد الشعبي الكاسح للإصلاح الذي جرى التعبير عنه في أعقاب هبَّة غزة في يوليو، بإجبار عرفات على إنهاء انتهاكاته السافرة للقانون الأساسي، وتوقيع القوانين التي سبق أن أقرها المجلس التشريعي الفلسطيني. كما يريد المجلس التشريعي الفلسطيني من عرفات اتخاذ خطوات ملموسة نحو توحيد أجهزة الأمن ومحاربة الفساد وتحديد موعد جديد للانتخابات الوطنية. حتى الآن، استطاع عرفات مقاومة تلك الضغوط. وأعلن المجلس التشريعي الفلسطيني المحبط في أول سبتمبر أنه يعلِّق جلساته لمدة شهر. وربما يقدم عرفات تنازلات محدودة في نهاية المطاف، لكنه سيقاتل لحماية الموالين له من الحرس القديم، وبذلك يحبط جهود تحقيق إصلاحات أعمق.

الخلاصة واضحة: لن يمكِّن الإصلاحيين من إدخال التغييرات الضرورية، إلا انتخابات وطنية تتيح للجمهور إزاحة الحرس القديم. لهذا السبب، سيواصل عرفات معارضة تلك الانتخابات. وله في هذا حلفاء غير متوقعين: الولايات المتحدة وإسرائيل. فخشيتهما من إعادة انتخاب عرفات، تجعلهما ترفضان السماح بإجراء انتخابات في الأراضي الفلسطينية.

** خليل الشقاقي حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا وهو مدير "المركز الفلسطيني للسياسة وبحوث الاستطلاع" في رام الله.

  عودة إلى المحتويات

 

تقييم المؤتمر الوطني العراقي

بقلم:
كاثلين ريدولفو

أخيرا، انعقد "المؤتمر الوطني العراقي" في بغداد بين 15 - 18 أغسطس، بعد أن تأجل مرتين. ضم المؤتمر المنصوص عليه في "القانون الإداري الانتقالي" وكان مقررا عقده في يوليو، 1300 مندوب ليختاروا مجلسا وطنيا من 100 عضو. ويتمتع المجلس بسلطة الاعتراض على ما تصدره حكومة رئيس الوزراء إياد علاوي المؤقتة من مراسيم، وبصلاحية إقرار موازنة العراق للعام 2005. وسيستمر المجلس حتى إجراء الانتخابات لمجلس دائم في يناير.

يزعم المعارضون أن المؤتمر، الذي جرى تقديمه على أنه أول حدث ديموقراطي عراقي منذ سقوط نظام صدام حسين، كان بعيدا عن الديموقراطية. وتدعي بعض الجماعات التي تعارض وجود الولايات المتحدة في العراق - مثل "هيئة علماء المسلمين"، وهي منظمة سُنية ذات نفوذ- أنها استبعدت من المؤتمر قصدا. (أشارت التقارير الإعلامية، على أي حال، إلى أن الهيئة هي التي قاطعت الحدث في حقيقة الأمر). وشكا آخرون من الارتباك والتزوير والعنف والتحيز في عملية اختيار المندوبين. ومع أن المندوبين الذين اختيروا لهم انتماءات سياسية ودينية متنوعة، إلا أنه كانت لمعظمهم ارتباطات مديدة مع الأحزاب التي كانت تسيطر على "مجلس الحكم العراقي" الذي عينته الولايات المتحدة.

أما التشتت التنظيمي الذي ميَّز عملية اختيار المندوبين فقد أصاب المؤتمر نفسه. فسرعان ما تدهورت الجلسة الافتتاحية إلى فوضى عندما اعترض المندوبون على قرار منظمي المؤتمر تخصيص مقاعد لأعضاء مجلس الحكم التسعة عشر الذين لم يتم اختيارهم وزراء في حكومة علاوي. وواجه رئيس اللجنة التحضيرية والعضو في الحزب الديموقراطي الكردستاني فؤاد معصوم، انتقادا حادا عندما عارض المندوبون أيضا قراره بأن يصوِّت المندوبون على قوائم من 81 مرشحا، بدلا من التصويت على مرشحين أفراد، كما كان مخططا في الأصل. وطالبت الجماعات الدينية الشيعية بـ 51 بالمائة من مقاعد المجلس لأعضائها. ومع حلول اليوم الثالث كان المئات من المندوبين يهددون بالانسحاب احتجاجا على منظمي المؤتمر.

بالتأكيد، لم يكن من السهل تكوين قوائم مرشحين تستوفي المتطلبات الصارمة، بأن تضم كل قائمة 20 امرأة وعددا معينا من العرب والإسلاميين والأكراد وأحزاب الأقليات. كانت النتيجة أنه لم تُقدَّم إلا قائمتان. كانت الأولى هي قائمة "المنتدى الديموقراطي"، التي تكونت من ممثلين للأحزاب السياسية الأصغر، مثل منظمة العمل الإسلامي الشيعية، ذات الروابط مع رجل الدين الراديكالي مقتدى الصدر، ورؤساء عشائر، وناشطين في المجتمع المدني، وممثلي أقليات وشخصيات مستقلة معروفة. وكانت الثانية هي قائمة "الوحدة الوطنية"، التي تهيمن عليها الأحزاب السياسية الرئيسية، التي هي أساسا جماعات معارضة في المنفى سيطرت على "مجلس الحكم العراقي". تضم تلك الأحزاب، "المؤتمر الوطني العراقي" و "حزب الدعوة" الشيعي، و"المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" و"الوفاق الوطني العراقي" الذي يرأسه علاوي و"الحزب الديموقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني لكردستان". كما ضمت القائمة زعماء عشائر وأعضاء في تجمعات شيوعية واشتراكية كردية، وأحزابا تركمانية قومية وإسلامية وأحزابا قومية عربية. ولم تضم أي من القائمتين أيا من الجماعات العربية السنية الكبيرة، حيث إنها لم تشارك في المؤتمر.

جرى تمديد المؤتمر يوما رابعا لإتاحة الوقت للمفاوضات المطولة حول تشكيل القوائم، وللسماح لفريق من المندوبين بالسفر إلى النجف للتوسط في الصراع بين ميليشيا الصدر والقوات العراقية والأمريكية. وعندما حل وقت الإدلاء بالأصوات، ادعت جماعات تنتمي إلى "المنتدى الديموقراطي" أنهم تعرضوا للتخريب لأن حوالي 36 من مرشحي المنتدى الديموقراطي سحبوا أسماءهم فجأة من تلك القائمة، وانتقل عديدون إلى قائمة الوحدة الوطنية. ولما لم يكن الوقت متاحا أمام المنتدى الديموقراطي قبل التصويت لملء الأماكن الشاغرة بمرشحين يستوفون شروط الحصص الصارمة، فقد سحب قائمته. وإذ لم تبق سوى قائمة الوحدة الوطنية، تخلى منظمو المؤتمر عن التصويت بالبطاقات واختاروا رفع الأيدي. وعندما حان وقت التصويت كان كثير من المندوبين قد غادروا القاعة، وهكذا لم تعرض قائمة الوحدة الوطنية للتصويت على الإطلاق.

ردا على الشكاوى من أن المؤتمر فشل في الالتزام بالإجراءات الديموقراطية، ينفي المنظمون قصدهم جعل المؤتمر ديموقراطيا بالتمام. إن رأيهم - في ما يبدو- أن الأولوية كانت لتشكيل مجلس يؤيد سياسات علاوي، أو على الأقل لا يضعفها، وفي تلك الحالة يكون التجمع قد حقق غرضه. إن 20 بالمائة من أعضاء المجلس هم زملاء علاوي السابقين في "مجلس الحكم العراقي"، ويمثل آخرون دوائر حاسمة، مثل الشيعة، لهم علاقات وثيقة مع علاوي، والتركمان الذين يغلبون على مدينة كركوك الغنية بالنفط. وتمثل هاتان الجماعتان قاعدة تأييد حاسمة لعلاوي في الإعداد لانتخابات يناير.

لم يظهر المؤتمر هيمنة أحزاب المنفى العراقي السابقة على المسرح السياسي فحسب، بل أعطى أيضا الأحزاب العراقية الأصغر والسياسيين المستقلين جرس إنذار لحجم المنافسة القوية التي سيواجهونها في انتخابات يناير. كانت الأحزاب المنضوية في قائمة الوحدة الوطنية جيدة التمويل والتنظيم، واشتغلت شهورا في التداول المكثف لتشكيل قائمة منوعة. والآن، قد يستخدم الكثيرون مواقعهم في المجلس للتأثير في الاستعدادات الانتخابية، ولدعم مرشحيهم.

** كاثلين ريدولفو هي محللة الشؤون العراقية لراديو أوروبا الحرة / راديو الحرية، ومقره براغ، جمهورية التشيك.

  عودة إلى المحتويات

 

النظام الانتخابي العراقي: استراتيجية ضالة

بقلم:
مايكل روبين

بانتهاء "المؤتمر الوطني العراقي" الشهر الماضي، تكون علامة الطريق التالية للديموقراطية العراقية هي انتخابات يناير 2005 لبرلمان يضم 275 عضوا. وقد يؤدي النظام الانتخابي الذي اختير للعراق إلى إضعاف آفاق تصويت تمثيلي وديموقراطي. ففي 15 يونيو 2004، واستجابة لتوصية من كارينا بيريللي مديرة قسم المساعدة الانتخابية في الأمم المتحدة، قرر مدير سلطة التحالف المؤقتة بول بريمر أن العراق سيكون دائرة انتخابية واحدة، حيث توزع المقاعد على أساس التمثيل النسبي المبني على قوائم انتخابية وطنية. وكان قرار بيريللي بتجنب تعدد الدوئر مصبوغا باعتبارات تكنيكية. فمعاملة العراق كدائرة واحدة تلتف حول الحدود الداخلية وتبسط عملية التصويت. فالدولة كلها ستحتاج إلى بطاقة واحدة بدلا من بطاقات منفصلة في كل دائرة.

إن مثل هذا النظام سيئ بالنسبة للعراق. فالتصويت مجرد وجه واحد من الديموقراطية. والمحاسبة وجه آخر. وفي ظل نظام التمثيل النسبي، لا يرتبط البرلمانيون بدائرة انتخابية معينة، إنما بقائمة حزبية. وبدلا من أن يكونوا مسؤولين أمام ناخبي بلدة معينة، سيكون النواب موالين لزعماء الأحزاب. لقد دفعت عثرات نظام كهذا، البولونيين إلى السعي إلى تعديل دستوري لإحلال الدوائر الانتخابية محل التمثيل النسبي. وبينما يستخدم أكثر من 90 بلدا نوعا من التمثيل النسبي، فإن تطبيقه على دوائر انتخابية وطنية واحدة، نادرا ما يخلو من التعقيدات. فكثير من الإسرائيليين يشكون من أن التمثيل النسبي في الدائرة الواحدة يتيح للأحزاب الراديكالية الصغيرة فرصة ارتهان نظامهم السياسي. وفي جمهوية فيمار بألمانيا، ساعد التمثيل النسبي في الدائرة الواحدة على الإتيان بالنازيين إلى السلطة.

في العراق سيغذي التمثيل النسبي الراديكالية. فمن الأسهل منع النساء من شغل وظائف معينة، إذا كان السياسي لا يحسب حسابا للنساء في دائرته. أما إذا كانت الانتخابات مبنية على 275 دائرة، فإن كل دائرة ستضم 87000 شخص فقط. سيكون النواب أقرب إلى الناس. الدوائر موجودة بالفعل، رغم أن العراقيين حريصون على إلغاء التلاعب البعثي بتقسيم الدوائر. وحتى في المناطق المتنازع عليها مثل كركوك، يقول العراقيون إن بوسعهم التوصل إلى توافق على وضع الأحياءالكردية والعربية والتركمانية في دوائر مختلفة.

إن عدم تأسيس الانتخابات على دوائر قد يعني أن بعض المناطق لن يكون لها تمثيل. وهذا قد يربي العنف. على سبيل المثال، تقبَّل سكان البصرة والموصل مجلس الحكم العراقي السابق لأن أعضاءه كانوا من بلداتهم. ولأن الفلوجة ومدينة الصدر تفتقران إلى مثل هذا المنفس، كانتا أسرع إلى اللجوء للعنف. وفي ظل خطة الأمم المتحدة، إذا لم يكن المرشحون المحليون في موقع متقدم على قائمة الحزب، فإن بلدات كثيرة ستكون بلا تمثيل. والعراقيون يدركون أهمية التمثيل الجغرافي. فقد كانت الجغرافيا وليست الشخصية هي التي أدت بمجلس الحكم العراقي إلى تزكية غازي الياور - وهو زعيم عشيرة من الموصل - ليكون رئيسا للعراق، على حساب عدنان الباجه جي، وهو وزير خارجية سابق. إن أي هيئة سياسية لا تضم ثانية أكبر مدن العراق، أمامها فرصة ضئيلة للنجاح. وبينما قالت بيريللي إن الدائرة الانتخابية الوطنية الواحدة تتيح للجماعات "الموزعة" جغرافيا أن تصوت معا، فإنه من التبسيط القول إن الجماعات الدينية أو العرقية كلها تريد أن تصوت ككتلة واحدة. ويضع نظام كهذا العراق على منحدر الطائفية على النسق اللبناني، كما سيمثل تعدد الدوائر تنوع العراق. فالفلوجة ستنتخب سنة والنجف ستنتخب شيعة. وسيكون الفرق الحقيقي في حماية الأقليات الدينية. ففي الدوائر المحلية سيكسب الكلدان مقاعد في الكوش وسيكسب اليزيديون مقاعد في سنجار، حتى لو اختاروا عدم الترشيح على برنامج ديني. بينما في ظل نظام الدائرة الوطنية الواحدة ستكون مخاطر الحرمان من التمثيل أكبر.. فلأن الأقليات الدينية توزع نفسها سياسيا، فإنها قد لا تحصل على أصوات كافية على النطاق الوطني.

كما أن خطة الأمم المتحدة ستستدعي الفساد. فمن الأسهل على القوى الخارجية أن تشتري قائمة حزبية من أن تقدم نقودا لـ 275 مرشحا. فعندما يكون الناخبون على معرفة بمرشحيهم، يكون إخفاء التمويل الخارجي أكثر صعوبة.

دعا بعض المتخصصين إلى أن يُنسخ في العراق ما نجح في كمبوديا وتيمور الشرقية ونيجيريا. لكن من الخطأ معاملة العراق كشبيه. فالتاريخ العراقي يشير إلى أن نظاما يمنح قوائم الأحزاب أفضلية على المرشحين المستقلين، ستكون له نتائج عكسية.والعراقيون الأكبر سنا يلومون الأحزاب السياسية على إثارة الاضطرابات في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. ويربط الجيل الأصغر بين السياسات المنظمة وبين حزب البعث الذي أساء إليهم. وفي كردستان العراق يقول كثير من الطلاب إن الفساد ينمو حول هياكل الأحزاب. وتشير بعض الاستطلاعات إلى أن 3 بالمائة فقط من العراقيين يثقون بالأحزاب. وبينما تتيح خطة الأمم المتحدة نظريا للمستقلين أن يترشحوا ، رأى العراقيون كيف همَّشت الألاعيب الحزبية وصفقات الغرف الخلفية المستقلين في المؤتمر الوطني العراقي.

يجب أن تقرر نظام الانتخاب في العراق لجنة الانتخابات العراقية، وليس الأجانب. فما اختارته الأمم المتحدة ليس هو الاختيار الوحيد. بعد كل شيء، فإن بلدانا مثل أستراليا والأردن تجمع بين تعدد الدوائر الانتخابية والتمثيل النسبي، وتجعل النواب أقرب إلى الناس. ما زال هناك وقت للاستماع إلى العراقيين.

** مايكل روبين، باحث مقيم في "ذا أميركان إنتبرايز إنستيتيوت" ورئيس تحرير "ميدل إيست كوارترلي"، قضى 17 شهرا في العراق بين عامي 2000 و2004.

  عودة إلى المحتويات

 

النظام الانتخابي العراقي: استراتيجية للاستيعاب

بقلم:
جيف فيشر

على خلفية من القلاقل التي تنكب أجزاء كبيرة من العراق،جرى تأسيس مؤسسات سياسية رئيسية وإطار قانوني للانتخابات الديموقراطية الأولى على النطاق الوطني ، المقرر إجراؤها في يناير القادم. وسيختار الناخبون مجلسا وطنيا انتقاليا من 275 نائبا ومجالس للمحافظات ومجلسا إقليميا كرديا.

الإطار القانوني لانتخابات المجلس الوطني - المنصوص عليه في أوامر ثلاثة وضعتها في مايو سلطة التحالف المؤقتة بقيادة الولايات المتحدة - يؤسس نظاما للتمثيل النسبي واعتماد دائرة انتخابية وطنية واحدة. بني هذا الإطار على توصيات الأمم المتحدة، التي عملت تحت سلطة قرار مجلس الأمن رقم 1546، وقامت بمشاورات واسعة مع تشكيلة واسعة من الفعاليات السياسية العراقية.

كثيرا ما يؤخذ بنظام التمثيل النسبي للانتخابات الانتقالية، أو تلك التي تعقب المنازعات، لأنه أفضل ما يحقق أهداف الاستيعاب والمساواة بالغة الأهمية في مثل تلك السياقات. في نظام التمثيل النسبي، تكون النسبة المئوية من المقاعد التي يحصل عليها كيان سياسي - مرشح مستقل أو حزب أو ائتلاف أحزاب - مساوية تقريبا لنسبته المئوية من التصويت الشعبي. وهذا يمكِّن كلا من الحركات السياسية الشعبية المكرَّسة، والتجمعات الأصغر للمصالح، من أن تحصل على الحد الأدنى المطلوب المؤهِّل لاكتساب التمثيل. في حالة العراق، توصف هذه الصيغة بأنها "عتبة طبيعية" لأن المقاعد ستوزع على أساس صيغة تقسم العدد الإجمالي للأصوات المقترِعة في دائرة وطنية واحدة على 275، أي عدد مقاعد المجلس. في بيئات ما بعد النزاع، يتمتع هذا النظام بميزة أنه يشجع المقاتلين السابقين والأخصام الذين انتهجوا العنف على المشاركة في الانتخابات، لأن حاجز اكتساب التمثيل منخفض إلى حد بعيد. ويحذر منتقدو نظام التمثيل النسبي من أن التفتت الحاد يمكن أن ينتج إذا هيمنت جماعات صغيرة وذات مصالح ضيقة على المؤسسات التمثيلية. على أي حال فإن القواعد المقررة لحق الاقتراع في العراق مصممة لتشجيع التحالفات والائتلافات بين مثل تلك الجماعات، ولتوفير حوافز للأحزاب لوضع استراتيجيات للمستوى الوطني وبرامج وفاق.

كما أن اعتماد الدائرة الوطنية الواحدة يسهل مشاركة ما يقدر بين مليوني وأربعة ملايين عراقي يقيمون خارج البلاد، وكان الكثير منهم قد دفع بهم النظام السابق إلى المنفى. ولم تتخذ لجنة الانتخابات قرارا بعد حول ما إذا كان هؤلاء العراقيون سيقترعون، وكيف سيتم ذلك. على أي حال، فإن "القانون الإداري الانتقالي" يتضمن بالفعل نصوصا حول ازدواج الجنسية وحق الاقتراع، مبينا في ذلك على التعريف للمواطنة. ويفتقر كثير من العراقيين المنفيين إلى الأوراق اللازمة لإثبات دعاواهم بالإقامة، لكن وجود دائرة وطنية واحدة يجعل الحاجة إلى مثل هذا التوثيق واضحة.

على خلاف تأكيدات بعض المنتقدين، لا يمنع التمثيل النسبي المرشحين المستقلين من الترشح في الانتخابات. لكنه، مع ذلك، يجبر المستقلين على تقرير ما إذا كانوا أقدر كفاعلين منفردين أو كأعضاء في قائمة حزبية أو ائتلافية. كما أن النظام يعرَّف بأن "قائمة مغلقة" من حيث إن الناخبين سيختارون أسماء الأحزاب المدرجة على البطاقة، وليس المرشحين الأفراد. في نظام القائمة المغلقة، يرتب الحزب أسماء مرشحيه سلفا حسب ترتيب الاختيار، بأن يضع في العادة أسماء المرشحين ذوي الأسماء المعروفة وذوي الشعبية في أعلى القائمة. كما أن نظام القائمة المغلقة يسهِّل إدخال المرشحات من الإناث، ما يساعد على تحقيق هدف "القانون الإداري الانتقالي" في جعل النساء يشغلن 25 بالمائة على الأقل من مقاعد المجلس الوطني. وفي النهاية، يقوي نظام القائمة المغلقة دور سلطة اتخاذ القرار في الأحزاب.

استبعدت الولايات المتحدة اختيار إنشاء دوائر انتخابية متعددة من هذه الدورة الانتخابية لأسباب تكنيكية وسياسية. فتحديد الدوائر الانتخابية يمكن أن يكون عملا مثيرا جدا للخلافات، كما أن إنشاء الدوائر على وجه السرعة، كما يتطلب الجدول الزمني الضيق للانتخابات العراقية، يمكن أن يقلقل العملية الانتقالية بأكملها. إضافة إلى ذلك، فإن النظم الانتخابية القائمة على الدوائر يمكن أن تولد مباراة صفرية بين المتنافسين السياسيين، بمعنى أن المرشحين الذين يفشلون في الحصول على عدد معين من الأصوات يستبعدون. وفي وضع ما بعد النزاع ( أو منتصفه ) مثل ما هو الحال في العراق، فإن مباراة صفرية قد تفجِّر العنف، ولهذا يجب تجنبها. وعلى الخلاف من ذلك، يوفر التمثيل النسبي آلية لإنتاج مؤسسة تتفاعل فيها المصالح السياسية وتحكم جماعيا، مستبعدة العنف كتكتيك لإخضاع الخصوم.

** جيف فيشر، مستشار لشؤون الانتخابات في IFES (الجمعية الدولية للانتخابات الحرة)، وهي منظمة مقرها واشنطن، تروج للتطور الديموقراطي على نطاق العالم. وقد عمل مسؤولا عن الانتخابات الانتقالية في البوسنة والهرسك، وتيمور الشرقية وكوسوفا.