الصفحة الرئيسية |  من نحن | الباحثون | الأنشطة | الإصدارات | نشرة الإصلاح العربي

 تعليقات على أحداث

التعديلات الدستورية في مصر

التعديلات الدستورية المثيرة للجدل في مصر: تحليلا نصيا
ناثان براون وميشيل دن

التعديلات الدستورية في مصر: قراءة في خلفيات الحدث وتداعياته المحتملة
عمرو حمزاوي

النصوص النهائية للتعديلات الدستورية
من إعداد دينا بشارة

***

 

التعديلات الدستورية المثيرة للجدل في مصر: تحليلا نصيا  
ناثان براون وميشيل دن

يتوجه المصريون إلى صناديق الاقتراع في السادس والعشرين من شهر آذار/مارس القادم في استفتاء شعبي حول تعديلات طالت أربعاً وثلاثين مادة من الدستور، كان قد صادق عليها مجلس الشعب المصري في التاسع عشر من شهر آذار/مارس الحالي. والرئيس حسني مبارك الذي كان يعارض أي تعديلات دستورية حتى مدة قريبة، هو الذي اقترح هذه التعديلات في شهر كانون الأول/ديسمبر الماضي من العام 2006، معلناً أن هذه التعديلات تُشكِّل خطوة مهمة في سبيل الديمقراطية. ومن شأن هذه التعديلات أيضاً أن تتخلص من الخطاب الاشتراكي الذي سيطر في حقبة سابقة، لتقدم بديلا لها خطابا يتحدث عن "المواطنة". وهو المفهوم الذي حاول ترويجه جمال مبارك، نجل الرئيس حسني مبارك، المرشح المحتمل للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، لمنصب رئاسة الجمهورية في المستقبل. إلاّ أن المعارضة، و ناشطو المجتمع المدني، وغيرهم كثر ممن مارس ضغطا لإجراء تعديلات إصلاحية في الدستور منذ سنوات، يؤكدون أن هذه التعديلات تحديدا، تهدد بشكل خطير كل حماية لحقوق الإنسان، وتغلق الإمكانات أمام أي نشاط سياسي سلمي، وخاصة في وجه حركة الأخوان المسلمين، وهي أكبر حركة معارضة مصرية.

وعدا مضمون التعديلات، فإن التعجل في تمريرها، مسألة أخرى أثارت الكثير من التساؤلات. رغم مناقشة التعديلات علنيا في السابق في المؤتمر الذي عقده الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في شهر أيلول/سبتمبر من العام 2006. وبالرغم من تقدم الرئيس المصري رسمياً باقتراح هذه التعديلات في شهر كانون الأول/ديسمبر، فقد تم إعداد مسودات التعديل الفعلية خلف الأبواب المغلقة، لتظهر نصا كاملا واحدا في نهاية شهر كانون الثاني/يناير 2007. حيث ناقش البرلمان المسودات لعدة أسابيع قبل أن يصوت على المواد الأربع والثلاثين المعدلة، في مادة وحيدة، في العشرين من شهر آذار/مارس الحالي. التصويت الذي قاطعه نواب المعارضة، الذين يشكلون عشرين في المائة من أعضاء البرلمان، كما قاطعوا جلسات المناقشة الأخيرة مبررين ذلك بأن آرائهم لا تؤخذ في الاعتبار، ويتم تجاهلها. وفي مواجهة هذا الانتقاد قررت قيادة البلاد الإسراع في العملية بدلاً من التريث فيها. وبادرت إلى دعوة الشعب إلى استفتاء عام للتصديق على هذه التعديلات، وذلك في أقل من أسبوع واحد بعد تمريرها في البرلمان، عوضا عن إجراء الاستفتاء في أواسط شهر نيسان/أبريل القادم، حسب ما كان متوقعاً.

وإذا نظرنا إلى هذه التعديلات من جهة؛ وإلى طريقة تمريرها من جهة أخرى: فإننا نرى مايبدو أنه جهد من النظام المصري يهدف إلى إظهار المزيد من التوازن بين سلطات الدولة، وتوفير الفرص والإمكانات لأنشطة الأحزاب السياسية؛ بينما هي في واقع الأمر تحدّ بشدة من مجال المنافسة الحقيقية، وتترك القوة مركزة في أيدي السلطة التنفيذية التي تمثلها الحكومة والحزب الحاكم. وفيما يلي تحليل لهذه التعديلات الدستورية.
في الماضي،كثيرا ما اتهمت منظمات حقوق الإنسان قوات الأمن المصرية بتجاهل الحماية الدستورية، وتمكن بعض الضحايا من تحقيق انتصارات قضائية في المحاكم. وسوف تجعل المادة المعدلة، بهذا الصدد، إصدار حكم من هذا النوع أكثر صعوبة. يشتكي بعض المصريين من أن الدستور سيؤكد في الوقت الحالي،على ما اعتبر مؤقتا دولة الطوارئ، بوصفه جزءا من البنية السياسية في مصر. ويحمي الممارسات الأمنية من المراقبة الدستورية. إنه من الصعب جدا تحدي هذا التفسير.

الالتفاف على حماية حقوق الإنسان

في حملته للانتخابات الرئاسية في عام 2005، وعد الرئيس مبارك برفع قانون الطوارئ الموضوع موضع التنفيذ منذ عام 1981 ـ وهو قانون يعطي الدولة سلطات واسعة لاعتقال المشبوهين، بدون محاكمة، لمدد طويلة؛ ويعطيها الحق في محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية؛ ومنع التجمعات الشعبية؛ والتصنت على المكالمات الخاصة ـ واعداً بأن يضع مكانه قانونا أكثر تحديداً لمكافحة الإرهاب. وفي عام 2006، مبارك حصل على موافقة البرلمان لتجديد قانون بقانون الطوارئ لمدة سنتين إضافيتين قائلاً أن الدستور يحتاج إلى تعديل من أجل إفساح المجال لظهور هذا القانون. لكن هذا التعديل الدستوري لم يقدّم سابقاً، بسبب موجة الانتقاد العارمة التي واجهها من قبل المصريين، ومن المنظمات العالمية المهتمة بحقوق الإنسان على حد سواء. ومن المتوقع أن يشهد قانون مكافحة الإرهاب الجديد النور في عام 2008، أي قبل انتهاء فترة العمل بتمديد قانون الطوارئ الحالي.

المادة 179 المعدلة من الدستور مصاغة لحماية واحدة من أكثر الممارسات السياسية عرضة للانتقاد، ألا وهي السماح لرئيس الجمهورية بإعطاء الأوامر بإحالة المدنيين على المحاكم العسكرية. في حين أن المادة القديمة كانت تنص على وجود "مدع عام اشتراكي"، وهي هيئة حكومية كانت قد أدخلت في الأساس إلى حياة المصريين لتكون مرجعاً لتظّلم المواطن ضد تجاوزات الدولة، لكنها في واقع الأمر قد استعملت من أجل التعامل مع خليط غريب من القضايا السياسية ومن قضايا الفساد. والمدعي العام الاشتراكي الذي فقد الكثير من دوره السياسي، لم يعد له ذكر الآن، وهو منصب يعتبر ملغيا. وبديلا له، تخوّل المادة الجديدة المعدلة الرئيس إحالة أي تهمة إرهاب إلى أي محكمة يختارها. وهذه الممارسة، وحتى إذا اقتصر استعمالها ضد الإرهابيين الإسلاميين فقط، فهي أيضا تستعمل ضد االإخوان المسلمين عامة، وإضافة إلى ذلك تبقى مريبة من منطلق حقوق الإنسان بسبب قسوة نظام الملاحقة أمام المحاكم العسكرية. وهذا التعديل هو أيضاً مثار تساؤل على المستوى الدستوري. فهو يخالف مبدأ "القاضي الطبيعي" الذي تنص عليه المادة 68 من الدستور. فمبدأ القاضي الطبيعي يشدد على أن صلاحية النظر في القضايا تحدد وفق معايير واضحة، ولا تكون خاضعة لأهواء مسئول رسمي، كما تؤخذ المعايير التالية في الحسبان: الظروف السياسية المحيطة بالقضية، وشخصية المتهم. وبالفعل، فإن تتطابق بعض الإجراءات مع نصوص الدستور، المسموح بها الآن في ظل القانون المصري للمحاكم العسكرية، قد طُعن فيها مؤخراً عندما أحال الرئيس المصري جماعة من قادة الإخوان المسلمين على قضاء التحقيق العسكري. أما بعد تعديل هذه المادة فإن التقدم بمثل هذا الطعن سوف يصبح مستحيلاً.

وعلاوة على مسألة تسهيل محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، فإن المادة 179 المعدلة تنص على أنه من المسموح به في المحاكمات المتعلقة بالأعمال الإرهابية، تجاوز الضمانات القانونية الموضوعة ضد الاعتقال التعسفي؛ والتفتيش دون أمر قضائي؛ وانتهاك السرية الخصوصية؛ المنصوص عنها في المواد 41، 44، و45 من الدستور.

تخفيف إشراف القضاء على إجراءات الانتخابات

نصت المادة 88 السالفة، من الدستور المصري على أنه في الانتخابات النيابية، وعمليات الاستفتاء العام الشعبي، "يجري الاقتراع تحت إشراف الهيئة القضائية". لكن الدستور لم يحدد ما هو المقصود بعبارة "الهيئة القضائية"، أو ما تستدعيه عبارة "الإشراف". ولعدة عقود خلت، جادل النظام بأنه ليس ثمة عدد كافٍ من القضاة لمراقبة إجراءات الانتخابات في كل مركز اقتراع. وهكذا، فإن النظام سمح للقضاة بمراقبة أماكن فرز الأصوات فقط وليس الإشراف الفعلي عليها، دون أن يصل الأمر إلى مراكز التصويت ذاتها. وقد اعترف المنتقدون بأن هذا لا يفي بأهداف الدستور. وفي عام 2000 ربح المعترضون حكماً قضائياً عندما أبطلت المحكمة الدستورية العليا قانون الانتخاب لأنه لم يراع حق القضاء في الإشراف على كل مراكز الاقتراع، كما أنه لم يوفر للقضاة السلطة الكافية للإشراف على عمليات الاقتراع. وقد استجابت الحكومة لهذا القرار بسرعة بتشريع قانون جزأت بموجبه العملية الانتخابية إلى مراحل تمتد لعدة أيام (مما يسمح للقضاة بالتنقل في أرجاء البلاد ويحضروا سير إجراءات الاقتراع في جميع المراكز)، كما قامت الحكومة بتعيين قضاة لمراقبة الانتخابات العامة برمتها.

وهذا القانون استدعى للعمل جميع القضاة، واستدعى الموظفين الذي يعملون في وظائف شبه قضائية، بما فيهم وكلاء النيابة، وموظفي هيئة قضايا الدولة (وهو هيئة استشارية ) تمثل الإدارات الحكومية في المنازعات القضائية). وقد اعترض البعض على هذا الإجراء الأخير بحجة أن هؤلاء الموظفين من خارج الجسم القضائي الأصلي ولا يتمتعون بالاستقلالية الكافية التي تؤهلهم لممارسة الإشراف على العمليات الانتخابية في حياد وتجرد. وهذا ما يخالف نص المادة 88 من الدستور التي تشترط أن تنخرط "الهيئة القضائية" في الإشراف على عمليات الاقتراع.

لكن الانتقاد الأكثر عمقاً لقانون الانتخاب للعام 2000، هو أنه أزاح بكل بساطة أعمال التلاعب إلى خارج غرف الاقتراع، وهذا قد لا يتعدى أحياناً مسافة أمتار. فمع حصر السماح للقضاة بالإشراف على سير الاقتراع داخل غرف الاقتراع فقط، باتت أوجه أخرى من العملية الانتخابي خارج سيطرتهم، خارجة بكاملها عن سيطرة القضاء. فقد اشتكى مرشحو المعارضة وسواها من الجماعات من مضايقات حكومية (مثل قطع خطوط الهاتف)، والتهديد باستخدام القوى المسلحة (الذين يحيطون عادةً بغرف الاقتراع)، وإجراءات أخرى صممت لحرمانهم من فرصة الاتصال بالناخبين المحتملين لهم وحشدهم. وطالب نادي قضاة مصر برقابة قضائية كاملة على الأعمال الانتخابية لاجتثاث كل هذه المخالفات، كما بادر هذا النادي، أثناء انتخابات عام 2005، إلى نشر تقاريره الخاصة عنها.

والمادة 88 المعدلة تحل هذه المشكلة للنظام، بإلغاء شرط الإشراف القضائي على أعمال الاقتراع، محولة هذه المسؤولية إلى لجنة انتخابية. وهذا التعديل يتوافق شكلياً مع الممارسة المعتمدة عالمياً (حيث تكون الرقابة القضائية نادرة، واللجان المستقلة شائعة أكثر بكثير) لكن معظم التفاصيل المتعلقة بأعمال اللجنة بقيت متروكة للتشريع العام. فعلى اللجنة أن تتضمن قضاة، لكن المادة المعدلة تنص على إجراء العملية الاقتراعية بكاملها في يوم واحد معاً، الأمر الذي يجعل الاعتماد أساسا على هؤلاء القضاة، أمراً مستحيلاً. صحيح أنه سيكون للجنة حق الإشراف العام على عملية الاقتراع، لكن النص يبقى صامتاً عن المهام الأشمل للرقابة التي تمارسها هذه اللجان (مثلاً الدعاية الانتخابية، واستخدام الوسائل الإعلامية والصحافية، والتمويل). وتجربة مصر السابقة "مع اللجنة الانتخابية المستقلة"، التي تم تعيينها في انتخابات عام 2005 الرئاسية، لا تقنع منتقدي النظام، بأن المقصود من هذه اللجنة هو أن تكون لجنة حيادية فعلاً.

محاصرة الأخوان المسلمين

إن المادة الخامسة المعدلة تغلق كل السبل أمام حركة الأخوان المسلمين لتكوين حزب سياسي، على الأقل في الوقت الحاضر. فإلى جانب حملة الاعتقالات الجارية والتحقيقات الخاصة بالتمويل، تأتي مراجعة مواد الدستور في سياق حملة واحدة يستجيب فيها النظام لبروز الأخوان الملفت في انتخابات العام 2005 البرلمانية. وبالفعل، فإن مراجعة الدستور تذهب إلى ما هو أعمق بكثير، من مجرد حظر أي حزب يقوم "على أساس الدين". وهذا أمر موجود سلفاً في نص الدستور المصري. فاللغة الجديدة لا تكتفي بمنع تأسيس الأحزاب الدينية فحسب، بل تتعدى ذلك إلى منع "أي نشاط سياسي"، وليس على أسس دينية فقط، لكن "ضمن إطار أي مرجعية دينية". هذه العبارة الأخيرة مهمة جداً بشكل خاص لأنها العبارة التي يكثر استعمالها في أدبيات بعض الأحزاب الدينية. فحزب العدالة والتطور في المغرب مثلاً، يقول أنه ليس حزباً دينياً، لكنه حزب يخضع لإطار المرجعية الدينية. وقد خطا الإخوان المسلمون في مصر في الاتجاه ذاته. فحركة الإخوان المسلمين تجادل بالقول أن الحزب الديمقراطي الوطني الحاكم في مصر يستعمل الرموز الدينية باستفاضة كبيرة؛ وأن اعتراض الحزب الحاكم الحقيقي ليس على دور الدين في السياسة، بل اعتراضه الوحيد هو على قيام أي حركة معارضة قوية. هذا التعديل يوضح أن النظام غير مستعد للقبول بالاندماج المشروع للإسلاميين في النظام السياسي.

ربما لا ينوي النظام المصري منع جميع النشاطات السياسية لحركة الإخوان، لكنه يبدو أنه مصمم على حصر ذلك النشاط في أقنية ضيقة. فالإخوان المسلمون كانوا قد درجوا على التقدم إلى الانتخابات بصفة مرشحين مستقلين في الانتخابات النيابية منذ أن تعدل قانون الانتخابات في عام 1990 إلى نظام الدوائر الفردية. لكن تعديل المادة 62 يعبد الطريق إلى تغيير ذلك لمصلحة نظام مختلط يقوم على اللوائح الحزبية والدوائر الانتخابية الفردية. (كانت مصر قد سنت سابقا قانوناً يقوم على نظام اللائحة الحزبية لكن المحكمة الدستورية العليا ما لبثت أن أبطلته بحجة أنه يحدّ من حقوق الناس الذين لا ينتسبون إلى الأحزاب المعترف بها؛ وبهذا يزيح التعديل أحد العوامل الحساسة التي لعبت دوراً في الاختراق الانتخابي الذي حققه الإخوان). إذ أن عدد الدوائر الانتخابية الفردية سيكون قليلاً على الأرجح، بما لا يتعدى 10% من مجموع المقاعد البرلمانية. وهذا يجعل حظوظ الإخوان محصورة في أضيق الحدود.

لقد سبق منع الإخوان فعلياً من السعي لمنصب الرئاسة بموجب المادة 76 المعدلة في العام 2005، وهم يمنعون الآن مرة أخرى، لأن حق الترشح حكر على الأحزاب المرخصة فقط.. وقد يكون من الممكن تقنياً للمرشح المستقل أن يرشح نفسه، لكن المرشح يحتاج إلى عدد كبير من المصادقات من موظفين منتخبين على مستويات حكومية مختلفة. وقد يأتي يوم يستوفي فيه الأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين هذه الشروط، لكن ذلك لن يحدث في المستقبل المنظور.

وبحسب تعديل المادة 67 الذي جرى في العام 2005، فقد وُضعت معايير صارمة للتأهل للترشح إلى منصب الرئاسة بحيث يبقى الحزب الديمقراطي الوطني دون منافسين في الانتخابات الرئاسية القادمة. أما التعديل الجديد للمادة 76 فسوف يسمح لأي حزب مرخص بأن يحتل مقعداً واحدً على الأقل في أحد المجلسين: مجلس الشعب، أو مجلس الشورى، كي يتسنى له تسمية مرشحه لأي انتخابات رئاسية تجري في السنوات العشر القادمة. (أما عقب ذلك التاريخ، فإن الحزب يحتاج إلى امتلاك ثلاثة بالمئة من مقاعد كل من المجلسين أو ما يعادلها في إحدى المجلسين). وعلى الحزب أن يسمي مرشحاً كان يحتل مقعداً قيادياً بارزاً فيه منذ سنة على الأقل، وهو شرط قصد منه منع حزب ما، من القيام بتسمية مفاجئة لمرشح قد يكون عضواً في حركة الإخوان المسلمين، وكذلك منع أي شخصية عامة من الترشح عن حركة الإخوان في الانتخابات الرئاسية.

البرلمان يصبح أكثر أهمية، ولكنهً أقل مناعة

إن التعديلات الجديدة تعزز صلاحيات البرلمان في بعض النواحي، لكنها في الوقت نفسه تسهل على الرئيس إمكانية حله. فالمادة 115 المعدلة تشترط أن تتقدم الحكومة بمشروع الموازنة إلى البرلمان قبل ثلاثة اشهر على الأقل من نهاية السنة المالية (بدلاً من إحدى عشرة ساعة، كما كانت العادة الجارية في مصر)، وأن على المجلس أن يصوت على الموازنة مادة مادة. أما المادة 127، فتعطي البرلمان الحق في إعطاء الثقة أو حجبها عن رئيس الوزراء ( الذي يعينه رئيس الجمهورية) دون أن يكون قراره خاضعاً للاستفتاء العام. أما المسألة المثيرة للمشكلة، فهي تكمن في المادة 136 المعدلة، إذ أنها تعطي الرئيس أيضا الحق في حل البرلمان ("في حالة الضرورة") ودون الحاجة إلى استفتاء شعبي، وهذا حق لم يكن يملكه الرئيس من قبل. أما الآن أصبح هذا أمراً ممكناً إذا ما احتدم الخلاف السياسي. وبذلك تكون مصر قد اتبعت السابقة الموجودة في كثير من الدول العربية، حيث تحل البرلمانات بشكل متكرر، دون أن إعادة تشكيلها لمدد قد تمتد شهوراً أو سنوات.

الخلاصة

إن دعاة الإصلاح الدستوري في مصر انتقدوا الدستور المصري لعام 1971 بسبب تركيزه الصلاحيات بشكل مفرط في يدي رئيس الجمهورية، الأمر الذي لا يوفر ضمانات كافية لحقوق الإنسان (أو أنه يتيح الالتفاف عليها)، كما أن دستور 71 يسلب العناصر الديمقراطية في النظام السياسي من مضمونها. وقد شدد المنتقدون على ضرورة نقل السلطة إلى البرلمان، وعلى تمتع القضاء بالاستقلال التام، وتعزيز الحريات، وبناء ضمانات تثبت اتباع الممارسات الديمقراطية.

ومنذ اليوم الذي تسلّم فيه الرئيس مبارك مقاليد الرئاسة في عام 1981، وحتى عام 2005، واجه دعاة الإصلاح الدستوري الصدّ. وبالمقارنة مع أسلاف الرئيس مبارك الذين اعتادوا على تفصيل أحكام التعديلات الدستورية على حسب أهوائهم، فإن الرئيس الحالي لمصر ادعى أنه يوفّر الاستقرار الدستوري. ومع هذا، ففي عام 2005 جرى تعديل الدستور فجأة ليفسح المجال أمام انتخابات رئاسية تعددية (وهو مطلب قديم للمعارضة) ولكن بصورة حصرية شديدة.

أما حزمة الإصلاحات للعام 2006 فهي خطوة أخرى متقدمة في هذا الاتجاه إذ أنها تعد ببعض أشكال الإصلاح الليبرالي، بينما لا تعطي شيئاً في الجوهر. وهي بالفعل، تعد في بعض النواحي بأحكام دستورية أشد تقييداً مما كانت عليه الحال في السابق. أما الخطوة التالية في هذه العملية، تشريع قوانين جديدة، أهمها قانون مكافحة الإرهاب، وقانون تعديل نظام الانتخابات النيابية، وسيأتي ذلك في أواخر العام الحالي، أو في أوائل العام المقبل.

 

***


 

التعديلات الدستورية في مصر: قراءة في خلفيات الحدث وتداعياته المحتملة
عمرو حمزاوي

جاءت التعديلات الدستورية التي أقرتها أغلبية الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مجلس الشعب المصري في 19 مارس/آذار 2007 ويستفتى عليها المواطنون يوم الاثنين القادم مخيبة للآمال في إصلاح دستوري ديمقراطي يفتح الطريق أمام تعددية سياسية حقيقية في مصر.

وافق مجلس الشعب بعد نقاش قصير وتصويت قاطعه ممثلو أحزاب المعارضة ونواب جماعة الإخوان المسلمين والمستقلون على تعديل 34 مادة من الدستور يرتبط جلها بمباشرة الحقوق السياسية والنظام الانتخابي وصلاحيات رئيس الجمهورية وإجراءات انتخابه وخلافته وصلاحيات البرلمان بمجلسيه (الشعب والشورى) ومكافحة الإرهاب. وباستثناء توافق الحزب الحاكم والمعارضة بأطيافها الإسلامية والليبرالية واليسارية على الصياغات الجديدة لعدد محدود من المواد (4، 12، 24، 30، 33، 56) بحذف الإشارات الواردة بها إلى الاشتراكية وتحالف قوى الشعب العاملة والدور القائد للقطاع العام في التنمية وغيرها من أرث حقبة الخمسينيات والستينيات الناصرية التي تخطاها الواقع الاقتصادي والاجتماعي في مصر منذ السبعينيات، يدلل محتوى التعديلات الدستورية ومنهج تمريرها على استمرارية هيمنة الطابع السلطوي للحياة السياسية ويفتح الباب على مصراعيه أمام لحظة استقطاب جديدة وخطيرة بين النظام الحاكم والمعارضة الإسلامية.

نقطة البدء في إدراك مغزى التعديلات الدستورية هي تحليل أهداف النظام الحاكم منها. فمنذ نجاح جماعة الإخوان المسلمين في الفوز بما يقرب من 20% من مقاعد مجلس الشعب في انتخابات 2005 التشريعية ونظام مبارك يريد أولاً تضييق مساحة المشاركة السياسية لجماعة المعارضة الأكثر شعبية في مصر واحتواءها كي لا تتحول إلى منافس حقيقي على السلطة. تمثل هدف النظام الثاني في الحيلولة مستقبلاً دون تشكل جبهة موحدة للمعارضة تضم الإسلاميين والعلمانيين - وقد كان لذلك بدايات جنينية في 2005 - من خلال تقديم حوافز للأحزاب الليبرالية واليسارية المسجلة تباعد بينها وبين جماعة الإخوان المحظورة قانونياً وتكرس اعتماد الأحزاب على النظام لضمان استمرارية مشاركتها السياسية. رغب النظام ثالثاً، هنا أيضاً وفقاً لخبرة وحصيلة انتخابات 2005، في صياغة مجموعة جديدة من الأدوات الدستورية التي تدعم سيطرته على مخرجات العملية الانتخابية إن على المستوى الرئاسي أو البرلماني أو المحلي. ثم كان الإبقاء على واجهة ديمقراطية تستجيب ظاهرياً لعدد من مطالب المعارضة المصرية في الداخل وتحفظ للنظام حد أدنى من شرعية الرغبة في الإصلاح أمام الخارج دونما أي تخلي عن جوهر الإدارة السلطوية للحياة السياسية هو الهدف الرابع لنظام مبارك. أ